قصيدتان في العشق - سيدي إبراهيم الكلشني

قال سيدي إبراهيم الكلشني الخلوتي: 

ما عساي أفعل بحالي مع العشق؟ فهو لا يحيط به الذكرُ ولا القول
وبأيّ كلامٍ أُفهِمه؟ فهو لا يحيط به المقال

كم أودّ أن أبيّن حالَ العشق لمن يطلبه بالعقل 
لكنني اختبرتُ إدراكَه المقيد، وأما العشق فلا يسعه الفكرُ ولا الخيال

حالُ العشق والمحبّة صافٍ منزّهٌ عن التلوّن والحيلة؛
أمّا الصبغُ الذي يتلوّن بسبب الأنا فلا تسعه تلك الحال

ومنذ أن عرفتُ أن العشق محيطٌ 
علمتُ أن المحاط لا يسعه الفصلُ والوِصال

مهما قلتُ في العشق، فهو بلا كيف،
ولا نظير له، فلا ريب أنه لا يسعه المثال

ليس له مرتبةٌ ولا منزلٌ ولا مقام
وهو أوسعُ من العالم، فلا يحيط به إدراكُ الخيال

مَن دخل بالعشق إلى أرض الله يعلم
أن سعةَ ذلك العالم لا تتقيد باثنينية النقص والكمال

مَن يطوي بالعشق العالمين في الوحدة
يقول: "إن جلال هذا النَّفَس لا يسعه وصفُ الجمال"

يا گلشني، ماذا أفعل بالكلام عن العشق في حضرة المعشوق
فهو على صفة العلم الحضوري، فلا يسعه القيل والقال

وقال: 
مَن يبذل وجوده للعشق يصير بلا ذاتٍ ولا جهة
ومن يقول: «سأذوب في العشق»، فشأنه قطعُ جميع التعلّقات

مَن لا يخسر كلَّ ما له من وجودٍ في هذه الساحة،
فإنه لا يعرف لعبتها، فيطرد من الميدان

مَن يتوجّه بوجهه إلى كعبة العشق ويصل إليها بعين اليقين،
يصير نهارُه عيدًا، ويصير ليلُه نفسه ليلةَ القدر

مَن لا يترك الهوى ويضع قدمه في طريق العشق،
تصير بذلك الهوى  كعبتُه صنمًا، ويصير معبدُه مَناة

لا تظنَّ أن الذي لم يمت عن الهوى يستطيع أن يحيا بالعشق
فإن الحياة التي يحياها بذلك الهوى، بالقياس إلى العشق، موتٌ

اترك الهوى، وليكن ثباتُ قلبك في الطريق بالعشق
فإن مَن يتبع الشهوة يصير بلا قلبٍ ولا ثبات

الروح التي تحيا بالعشق لا تموت فقد بذلت في محبوبها
وهي حية بحياته الأزلية

مَن يرى وجهك في الكعبة ثم لا يتعبّد بالعشق،
فإن كان عابدًا، فما يؤدّيه تبعًا لهواه ليس بصلاة

كلُّ مَن يبذل وجوده للعشق يفتخر بالفقر
إذ بغنى العشق يصير فقرُه زكاتَه

لا تعبد هواك بحبّ أصنام الشهوة في القلب
فإن قبلةَ مَن يعبد ذلك تصير وجهَ اللات

ولا تقل: «سأطلب العارف فأجده بأوصافه»؛
فمَن يطلبه بالصفات لا يجده، لأن العارف بالعشق صار بلا صفات

مَن يغرق في بحر الفناء يوجد في موج البقاء؛
ويصير فيضُه، كالسحاب، قطرةً من بحر الذات

مَن، مثل گُلشني، يبذل نفسه لعشقك بالمحبّة،
يصير، عند مَن يرى بنورك، مظهرَ الكائنات