جوهر العالم شيء واحد - سيدي إسماعيل حقي البروسوي

قال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي في كتابه الأنوار:

اعلم أن جوهر العالم كلَّه شيء واحد، وأن الحق تعالى، بحسب أسمائه، أظهر كثرة الموجودات، ثم إن كل واحد من أفراد تلك الكثرة ظهر بلون خاص بحسب الاسم الخاص الذي يستند إليه. ولأن الله تعالى هو الواسع، فلا تضييق عليه بأن يتجلّى في صورة واحدة بعينها. ولهذا قيل: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾؛ ومن ثمّ يكون شأنه في كل آن غير شأنه في الآن الآخر.

وكما أنه في عالم الأرواح خلق من العقل الأول أرواحًا كثيرة، كان كل واحد منها في الحقيقة ذا لون خاص، وإن كانت الروح، من حيث هي روح، لا تتحيّز ولا تتلوّن. غير أنه ظاهر أن أرواح الأنبياء ليست كأرواح الأولياء، وأرواح الأولياء ليست كأرواح الصلحاء، وأرواح الصلحاء ليست كأرواح الفسّاق. وكذلك في مقام العرش، وهو الجسم المحيط بالعالم، أوجد من جهته الجسمانية هذا القدر من الطبائع والعناصر، وأخرج إلى الوجود من المواليد ما يخرج أفراده عن دائرة الحساب، وكل واحد منها على لون مخصوص. وعلى هذا يُقاس أيضًا أبو البشر آدم عليه السلام، وهو النفس الواحدة.

فهذه التركيبات والتلوينات من أحكام عالم الصفات، وقد حصلت بتجلّي الواحدية. فانظر إلى بستان: البستاني واحد، والماء الجاري لتربية ذلك البستان واحد، ومع ذلك فإن كل شيء مما يشتمل عليه البستان يظهر من وجه مخصوص، وتظهر فيه ألوان مختلفة. ولهذا يسمّون ذلك صبغة الله، إذ كل واحد منها مصبوغ بصبغة مخصوصة.

وفي هذا أيضًا إشارة إلى المادة الموجودة في النطفة الآدمية؛ إذ في النطفة شيء أصغر من حبّة الخردل يقع منه العلوق، ثم تظهر منه أعضاء الإنسان على السواء، ويحصل من أحد الأسماء أثر القدرة على الصبغ، فتتفصّل تلك القطعة من اللحم في صورة الأعضاء والجوارح، ثم تُنفخ فيها الروح. ثم يكون الإنسان جنينًا، وبعد الولادة طفلًا، ثم مراهقًا، ثم بالغًا، ثم شابًا، ثم كهلًا، ثم شيخًا. وقد قالوا إن كيفية تعلّق القدرة بالمقدور لا يعلمها غير الله تعالى، إلا أن يقع تعريف إلهي لبعض خصوصيات المادة لبعض كمّل الأولياء.

ومثال ذلك اختلاف الريش في الطاووس ونحوه من الطيور، مما يتجدد منظره عند كل نظر: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. وهذه الألوان المختلفة من أحكام عالم الصفات، وإلا فالذات لا لون لها. ولهذا افتتن المحجوبون بحسن صفات هذا العالم، ولم يظفر نظرهم بما في الأصل من البساطة والخلوص. ولذلك فإن الذين يقفون عند هذه الصفات عميٌ عن صفات الحسن التي هي باطن ما نسمّيه حسن الصفات.

وأما الذين اطّلعوا على هذا الباطن، فلم يجعلوا صفات الحسن حجابًا لهم، بل رأوا الأشياء واحدة بنظر الأصل، وتركوا الألوان حتى في اللباس، وعملوا على سر الأحدية. ولكن أين من يعرف هذه الدقيقة فيفهم هذا السر الدقيق، ثم يتكلم بالرمز على مقتضاه؟

وإذا ازدوجت الذات والصفات ظهرت آثار كثيرة. وقد جاء في القرآن: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. أي إنه يلزم في حدوث الشيء ذات وصفات وقول؛ وهذا التثليث يسمّونه سرّ الفردانية. وأما طائفة الثنوية، فلما لم تطّلع على هذه الفردانية أثبتت إلهين.ولما كان جميع العالم قد حصل من لفظ "كُن"، كان في وجود كل فرد من أفراد العالم سرّ الفردانية.

فظاهره إذن تثليث، وباطنه قائم على التوحيد، وعلى هذا القياس وحّد العارفون الأشياء؛ بل قطعوا هذا الموحَّد عن الأشياء وجرّدوه في الأنفس، ثم قطعوه حتى عن الأنفس وأفردوه تفريدًا. وسمعوا تسبيح "لا إله إلا الله" من عالم الوجوب، وتخلّصوا من قيد المظاهر.