يسقى بماء واحد والزهر ألوان - سيدي حسين بن طعمة البيتماني

قال سيدي حسين بن طعمة البيتماني، تلميذ سيدي عبد الغني النابلسي:

لما كان العالم كله كلمات الله تعالى، كانت نسبة هذه الكلمات التي هي النفس الرحماني الظاهرة فيه نسبةً واحدة، فكانت تعطي هذا الدليل أنه لا يكون في العالم تفاضل ولا من يختار التفضل عند الله تعالى على غير، لأن الجميع كلمات الله بالنسبة إليه على حد سواء. وقد قال تعالى: {كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} أي ظـاهـر عـن أصـل واحد، وهو الوجود الحق. وقال تعالى في هذا الشأن: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاَوتِ}. ولهذا كان كل من في السماوات والأرض {إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} وهذا الذي ذكرناه هو الحق في الحقيقة.

وإنما التفاضل في الرتب، وقد رأينا كلام الله تعالى ظاهراً في الوجود بذلك، عاماً في الموجودات ، فقال عز من قائل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}. وقال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، وقال تعالى في إثمار النباتات: {وَنُفَصِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} مع كونها تسقى بماء واحد، فظهر الاختلاف عن الواحد في المراتب والمطعومات والألوان والروائح، فما ثمَّ آية تنبىء عن الحق بما هو الوجود عليه من التفاضل من هذه الآية حيث قال: {يُسْقَى بِمَاءِ وَاحِدٍ} وهذا كثير وقعه في القرآن من تفضيل كل جنس بعضه على بعض مع اتحاد نسبته إلى الله تعالى.

فما أعجب هذا السر، فعلمنا من ذلك أن الحكمة التي يقتضيها النظر العقلي ليست بصحيحة، وأن حكمة الله في الأمور هي الصحيحة التي لا تعقل. وقد تعين لا بمجرد نظر ولا فكر بل بفتح من الله تعالى، فإنه يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}، والحكمة هي علم إلهي يعطيه الله تعالى لعبده فيجمع به بين الحكم الظاهر ومعرفة الباطن. ولما رأينا التفاضل والاختيار وقعا في العالم، حتى في الأعمال المشروعة، علمنا أن ثم أمر معقول ما هو عين النَفَس ولا هو غير النفس الذي تكونت فيه الكلمات، وهي أعيان الكائنات ظهرت عن عين المشيئة، وهذا التفضيل في الواحد، والتفضيل في المتساوي والواحد، أي الفرد الذي هو واحد الذات لا يصح إذ كل منهما لا ينعت ولا يتصف بالتفضيل. فعلمنا من هذا أن سر الله تعالى مجهول في العالم لا يعلمه إلا هو تعالى، فوحدناه توحيد الإجمال في حضرة الواحد التي لا تفضيل فيها وشهدنا في هذا التوحيد حمد التفضيل في حضرة الكثرة التي فيها تفاوت الدرجات في العالم، فتميزت المحامد في العين الواحدة، وهي حضرة ظهور الوجود بالشؤون المختلفة في العالم، ولم تتميز في عين الأحدية، وهي حضرة الذات الغنية عن العالمين، فكان حمدها عينها إذ الأحد لا يتصف في نفسه بالتفضيل.