أخلاق الخلق مرجعها أسماء وصفات الحق تعالى - سيدي سليمان الكوستنديلي النقشبندي

قال الشيخ سليمان شيخي الكوستنديلي النقشبندي قدس سره:

اعلم أن ما نسمّيه أخلاقًا رديئة إنما هو في الحقيقة صادر عن الصفات الإلهية، وهذه الأخلاق تتبدّل بحسب المراتب، فقد يكون الخلق الحسن في مرتبةٍ ما رديئًا في مرتبةٍ أخرى. فمثلاً: الهوى في حقيقته محبة، والغضب في حقيقته غيرة، والجرأة في حقيقتها شجاعة، والسفاهة في حقيقتها إرادة، وهكذا. فجميع هذه الصفات ترجع بهذا القياس إلى الأسماء والصفات الإلهية، فهي في مرتبةٍ فضائل، وفي مرتبةٍ أخرى رذائل. وبالسلوك والمجاهدة وتربية المرشد يتحقق العبد بقوله صلى الله عليه وسلم: "تخلّقوا بأخلاق الله".

فالأخلاق الرذيلة المنتشرة بين العوام والجهال ترجع في أصلها إلى الأسماء الإلهية، لكنها بحسب المراتب تظهر رذائل. فالحسد من اسم المانع، والبخل والإمساك من اسم القابض، والضرر من اسم الضار، والعداوة والبغضاء من اسم الغيور، والانتقام من اسم المنتقم، والهوى من اسم الودود، والغضب والانفعالات من أسماء الجلال، وتكفير الخلق من اسم المذل، والقهر من اسمي القهار والجبار، والقتل من اسم المميت، والكبر من اسم المتكبر، وإظهار العظمة من اسم العظيم، والضلال والفتنة والفساد من اسم المضل. وحتى الأخلاق الحسنة قد تظهر بحسب هذا الاعتبار رذائل بسبب حجاب المرتبة، ولكن في الحقيقة كلها اسم واحد وصفة واحدة، وإنما يختلف ظهورها بحسب المراتب. فهي في الجاهل والغافل والفاسق تظهر رذائل، وفي العارف الكامل تظهر فضائل.

والصفات الإلهية تتنزل من القوة إلى الفعل، فتظهر في الأحكام والمذاهب، وتتجلّى في كل مقام بالجلال والجمال والهداية والضلالة، فتأخذ لون النقص، فتتحرّف وتنقلب عن حقيقتها الأصلية، وهي في الحقيقة صفات إلهية حميدة، ولكن في مرتبة البشرية تختلط بالرذائل.

والعبد المعتنى به فإنه بمصاحبة المرشد الكامل وببركة همّته يخرج من الرذائل، ويصعد في المراتب، ويطوي المنازل، ويرتقي إلى مقام الفضائل. يبدأ بتعلّم الأسماء الحسنى والتعلّق بها، ثم يترقّى إلى التخلّق، ثم إلى التحقّق بأن يكون عين الاسم، حتى ينال سعادة التحقيق. فأي اسم أو صفة يغلب عليه بالتجلّي يُسمّى به. وإذا كان استعداده تامًا وقابليته كاملة، صار جامعًا لجميع الأسماء، فاعلًا في كل علم، يُسمّى باسم "عبد الله"، وتصير ذاته كالكيمياء في عالم الشهود وكالعنقاء في الوجود، محبوبًا ومطلوبًا ومقبولًا عند الله، سائرًا على قدم محمد ﷺ.

فإذا صار العبد مظهرًا لهذا السر رجعت الصفات المذمومة، وهي الرذائل، إلى أصلها فصارت فضائل. فعقل المعاش يصير عقل المعاد، والنفس الأمّارة تصير نفسًا مطمئنة. ومثال ذلك السيف، هو واحد: فإن كان بيد مؤمن مجاهد كان الضرب به عدلاً، وإن كان بيد ظالم معتدٍ كان قتلًا. وكذلك أوصاف الإنسان، هي في ذاتها إذا نسبت إلى العبد رذائل، وإذا نُسبت إلى الله صارت فضائل، إذ لا مصدر للصفات إلا ذات الواحد. والعبد المحجوب يأخذ الفيض بحسب حاله، وكل جاهل وعارف يتصف بحسب استعداده، ويصرف استعداده بحسب مرتبته. فالكامل العارف تظهر فيه الفضائل والكمالات، والجاهل الغافل تظهر فيه الرذائل والنقائص.