قال الشيخ عبد الباقي لعلي زاده الملامتي المتوفى سنة 1159 هجرية:
اعلم أن كلّ فردٍ من أفراد الإنسان هو مظهرٌ لاسمٍ من أسماء الله تعالى. ومن الأزل إلى الأبد يسير كلٌّ بحسب مقتضى ذلك الاسم الجزئي. وليس في الموجودات من يطابق الكلّي المطلق أو يوافقه على التمام سوى أفراد الأولياء، ولكن من حيث الباطن والنور المحمدي، وأما من حيث الظاهر والفرق البشري فإن كلّ واصلٍ وكلّ سالكٍ يظهر ويسير على طورٍ مخصوص، فيصل إلى كماله، ويكون مرآةً لأحواله وأوقاته ومقاماته بحسب صفاء مرآته. وأحكام الأسماء الجمالية والجلالية كلها على هذا النحو.
واعلم أن القطب في كل زمان، وهو الوارث المحمدي الكامل هو مركز أفلاك قلوب السالكين، والله سبحانه وتعالى يتجلّى له بلا واسطة بجميع الأسماء والأفعال والصفات والذات. فيصير قلبه الشريف مرآةً جامعةً لأنوار الكمال، وشمسًا مشرقة لنور الوحدة. وهذا النور الإلهي، هو الحقيقة المحمدية، وهو أكمل الكاملين، هو عين مقام القطب، ولكن لا يعرفه إلا الذين تطهّروا من أوصاف البشرية بالكلية، وتجردوا من قيود الكونين بأنوار المحبة.
وقد ورد في الحديث القدسي المشهور: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أُعرَف فخلقت الخلق لأُعرَف". وهذا الحديث الشريف يبيّن أن سبب خلق جميع الموجودات هو محبة معرفة الذات الإلهية والأسماء والصفات. وكذلك قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} يدلّ على أن الجن والإنس خُلقوا للعبادة، وقد فُسّر ذلك بمعنى "ليعرفون"، أي أن المعرفة هي حقيقة العبادة، وأن العبادة في حقيقتها فعلٌ قلبيّ، وهي أصل سائر أنواع العبادة.
والشيهخ عين هذه المعرفة، فاللازم على السالك أن يحبّ الشيخ الكامل حبًّا صادقًا بالقلب والروح، وأن يحفظ أحواله وأسراره من الأجانب، وأن يلتزم بآداب الشريعة والطريقة، وأن يألف إخوانه ورفقاءه ويصاحبهم، وأن يجتنب الغرباء ويتحرز منهم، ويتعامل معهم بالحذر والنفور. وليس كل طالب سواء، بل كلٌّ يأخذ بقدر استعداده بحسب التقدير الإلهي. والمطلوب هو المحبوب الإلهي، ويستمر السالك في حفظ القلب، حتى يظهر فيه الجذب والوجد والحال بالإخلاص.
وأهل هذه الطريق لا يلتفتون إلى الصور والأشكال، بل سلوكهم قائم على التسليم التام للشيخ، والطاعة، وكمال المحبة، وتطهير الباطن، وبذل الجهد والهمة في طلب رضا الله. فما قُسِم لهم من التقدير الإلهي والمحبة الإلهية يترقّبون ظهوره. ولا يطلبون الكشف والكرامات، ولا يكثرون من العبادات الظاهرة، بل يقتصرون على الفرائض والسنن، ويظهرون في صورة عامة المؤمنين، ويعبدون في الخلوات بحسب ما يرد عليهم من الجذب الإلهي، وليس لهم أوقات مخصوصة ولا أوراد معيّنة.
وقد حفظهم الله تعالى من العامة في الظاهر، ومن الخواص في الباطن، فسترهم في صورة أهل الصلاح حتى لا يُعرفوا، وليس لهم تصرّف ظاهر. وإذا ظهرت الكرامة لبعض أهل المقامات فإنما تكون بقدر ضعف يقينه. أما هذه الطائفة فمحفوظة بتمام العبودية، مصونة عن التفات الناس، ويشير إلى ذلك القول: "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري".
وأهل البصيرة والمعرفة الذين يدركون قدر هذه الطائفة لا ينظرون إلى الظاهر، بل ينظرون إلى النور المتجلّي في قلوبهم، وإلى أحوالهم، فيصحبونهم ويستفيدون من أنوار المعرفة. فاتّبعوا الشريعة المحمديّة والسُّنّة الأحمديّة، وتعلّقوا بالمُرشد الكامل، فإنهم بتربيته يتخلّصون من ظلمات النفس وكدورات الطبيعة، فيصلون إلى عالم النور، ويُنجَون من القهر والجلال، ويدخلون في سلطان الجمال، ويترقّون إلى عوالم العلو كما أشار إليه قوله تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون}، فإنهم يتوجّهون إلى مقام الوصال بالله، ويبلغون وطن الأرواح الأصلي. وقولهم: "حبّ الوطن من الإيمان" إشارة إلى هذا المعنى.