قال سيدي الشيخ محي الدين الأسكليبي البيرامي، في شرحه على واردات قاضي سماونة، عند قوله:
مت قبل أن تموت حتى تحيى أبداً، لأن من مات عن الدنيا ولذاتها، وفني عن شهواتها حيٌّ بالوجود الحقيقي الأزلي الأبدي، فلا يطرأ الموت على مثل هذه الحياة، فيحيى أبداً، ولكنهم يريدون الحياة الدنيا، ولا يرضون لمثل تلك الحياة. ووجه آخر: أن من مات قبل أن يموت يتخلق بالأخلاق الإلهية، ويبقى ذكره أبداً، ومن بقي ذكره أبداً، فهو حي أبداً. ووجه ثالث: أن من فني عن وجوده الجزئي المجازي، وعرف أنه ينبوع من ينابيع الوجود الإلهي، واتصل به بلا تشبيه، فإنه حي أبداً إذ لا يبقى إلا الوجود الصرف، وهو محال أن يتصف بالعدم.
أقول قوله: مت قبل أن تموت، يعني: مت بالموت الاختياري، والمراد بالموت الاختياري: ترك الشهوات النفسانية، ومقتضيات الطبائع. قوله: قبل أن تموت، يعني: قبل أن تموت بالموت الاضطراري، وهو مفارقة الروح عن البدن حتى يحيى قلبك أبداً. قوله: لأن من مات عن الدنيا يعني: من ترك محبة الدنيا، والتلذذ بها، وفني عن شهواتها يعني: ترك ما تقتضي نفسه من المآكل، والمشارب، وغيرهما حتى يحيى قلبه، وروحه بالوجود الحقيقي الأزلي الأبدي، وهو الوجود المطلق؛ لأن وجود شهوات النفس فانية، وإضافية وقيد باطني على باطن الوجود كما أن التعينات الخارجية قيد ظاهري على ظاهر الوجود كما قيل ظاهر العالم، وهو التعينات الظاهرة صورة ظاهر الوجود، وباطن العالم، وهو التعينات الباطنة كالأرواح، والنفوس، والعقول، وغيرها صورة باطن الوجود فإذا ترك القيد، وهو الوجود الإضافية المجازي الشهواني بقي الوجود الحقيقي الباقي.
قوله: لا يطرأ الموت يعني: لا يعرض الموت، أي: الفناء الحقيقي الأزلي الأبدي، وإن كان يعرض الفناء المجازي، وهو بطلان التركيب الصوري فيحيى أبداً، يعني: يحيى قلبه، وروحه أبداً؛ ولكنهم، يعني: العقول القاصرة يريدون الحياة، أي: يختارون الحياة الدنيا، وهي التعينات الفانية، ولا يرضون بمثل هذه الحياة، وهي البقاء بالوجود الحقيقي.
قوله: ووجه آخر أي: وجه آخر في البقاء بعد الفناء، أي: إن مات بالموت الاختياري، يعني: من ترك الأخلاق الذميمة النفسانية بإرادته قبل مفارقة الروح عن البدن يتخلق بالأخلاق الإلهية الباقية، ويبقى ذكر ذلك الشخص المتخلق بذلك الخلق أبداً؛ لأن هذا الخلق أبدي عن صفات الحق الأزلية، وذكر من يتخلق بالخلق الأبدي القائم بالصفات الأزلية أبدي؛ فمن بقي ذكره أبداً، فهو حي أبداً.
قوله: ووجه ثالث في البقاء بعد الفناء أن من فني عن وجوده الجزئيوهو الحصة الوجودية الاعتبارية من المطلق ثم عرف أن ذلك الوجود الجزئي المجازي ينبوع من ينابيع الوجود الإلهي وهو الوجود المطلق، فإن الوجودات الاعتبارية المجازية تفيض من المطلق إلى التعينات العلمية الأزلية، فتوجد تلك التعينات في الخارج بذلك الوجود.
فإن ترك الإضافة انعدم التعين، وهو القيد، والاعتبار كما مر في بحث الوجود الإضافي فلم يبق فيه التعدد، واتصل بلا اثنينية فإنه يكون حياً أبداً؛ لأنه لا يبقى فيه إلا الوجود الصرف، وهو محال أن يتصف بالعدم؛ لأن بين الوجود من حيث إنه وجود، وبين العدم تضاداً، فلا يتصف أحدهما بما يتصف عليه الآخر به الآخر، فيكون ذلك الشخص حياً أبداً.