لا إله إلا الله - سيدي عبد الرحمن الجامي

قال سيدي عبد الرحمن الجامي: 
يا من لا يزال بقلمُ الوهم والخيال
يخطّ الحروف الزائدة على لوح قلبه طوال السنين

لقد صار لوحك، في هذه الصنعة المتلونة،
لوحًا لنقوش شتى مختلفة

إلى متى يبقى لوحك، بسبب هذه النقوش الفاسدة، مظلمًا،
وتبقى صفحتك سوداء؟

كن أنت قارئ حروف صحيفتك،
وكل ما كان زائدًا فاغسله أو امحه

قلبك مرآةٌ تقابل وجه الله؛
فلماذا وجه مرآتك مظلم؟

اصقل هذا القلب واجلُ هذه المرآة؛
لعلها تصير صافية مضيئة

حتى يُمحى منها كل ما هو فانٍ،
ويظهر فيها ما هو باقٍ

وصقالها، إن لم تكن تعلم،
ليس إلا: "لا إله إلا الله"

"لا إله" حوتٌ عظيم يبتلع الكائنات،
قد جرّ إلى جوفه كل ما بين العرش والفرش

وحيثما توجّه ذلك الحوت،
لم يبقَ لـ«أنا» و«نحن» لا رائحة ولا لون.


إنها فرجارُ مصنع القِدَم،
وقد رسم حول الأعيان خطَّ العدم

وما من نقطة من هذه الدوائر الكثيرة
إلا وهي داخلة في دورة هذا الفرجار

وسواء كان في هذا الفضاء مركبًا أم بسيطًا،
فحكم الفناء محيط بالجميع

وكل ما يُخرج رأسه من جيب البقاء،
تُلبسه «لا» قباء الفناء

وهذه الثمرة مُرّة في أول الأمر،
لكنها تجلب في النهاية حلاوة كثيرة.

فإذا نجوت من مضيق منفذ "لا إله"،
صار أمرك بعد ذلك مع "إلّا الله"

وإن كانت «لا» تمحو ظلمة العدم،
فمن «إلّا» يأتي إشراق نور القِدَم

وإن كانت «لا» تفني الكفر والجحود،
فإن «إلّا» مفتاح كنز الشهود


فإذا طوت «لا» بساط الكثرة،
سقت «إلّا» الخمر من كأس الوحدة


تلك تخلّصك من نقش الزيادة والنقصان،
وهذه توصلك إلى وحدة القِدَم

لأنك ما لم تُبعِد حجاب الكثرة،
لن تمنحك شمس الوحدة نورها

تلك الشمس ساطعة أبدًا،
ولكن حجابك يبطنها عنك ويعميك عنها

إن خرجت من حجاب وجودك الوهمي،
ارتفعت الاثنينية من البين

وفي الأرض والزمان والكون والمكان،
ترى الكلَّ هو، ظاهرًا وباطنًا

فشمس الأزل أرفع من أن
يلحقها خللٌ بسبب حجاب

أنت الحجاب، ولكنك حجاب على نفسك ؛
وأنت الستار الحاجب لنور شمسك

إن تخلّصت من نفسك لحظة،
صرت مهبط فيض النور الخاص.

وحين يستولي عليك جذب ذلك الفيض،
تتحرر من «لا» ومن «إلّا» معًا


فيرتحل النفي والإثبات معًا،
ولا يبقى خاطرك تحت حملهما

فتخطو خارجًا من فخ الغرور،
وتنال نصيبًا من دوام الحضور.

سواء في وقت السماع والكلام،
أو حين الأكل والنوم.

تغيب عن الجميع وتكون حاضرًا مع الحق،
وتكون عينك وروحك ناظرتين إلى الحق


فيصير سُكرك وصحوك واحدًا،
ويصير نومك ويقظتك واحدًا

تكون عين ظاهرك ناظرة إلى الأغيار،
وعين باطنك ناظرة إلى الحق

فحروف «لا إله إلا الله»، في الحقيقة،
ليست إلا الحروف التي يتألف منها اسم "الله"


ففي مجموع هذه الألفاظ، بلا التباس،
ليس ثمة شيء سوى اسم الله

فهو في جميع مراتب الإمكان،
سواء كانت مجردةً أم جسمًا أم جسمانيةً،

سارٍ فيها وظاهر،
لكن سريانه خارج عن نطاق علمنا.

وبسبب اختلاف تنوعات الشؤون،
يُظهر جمالًا متنوع الصور

ويسري في جميع المراتب،
مخفياً في حجاب صورة الغير

بل إن صور الأغيار ممحوّةٌ في الحقيقة؛
"ليس في الدار غيرُه ديّار"