قال سيدي عبد المجيد السيواسي الخلوتي في شرحه على المثنوي:
يستحيل على عين الجسد أن ترى وجه الروح، وأذن الجسد يمتنع عليها أن تسمع النغمات الباطنة في أسرار الأولياء. ولرؤية وجه الروح تلزم عين الروح، ولسماع كلمات هي بلا حرف وبلا صوت يلزم سمع رحماني. ولكن مقدمته أن يحفظ أولًا العين البشرية من النظر إلى الأغيار، ثم، وبمقتضى قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك﴾، يقطع بصره، ما أمكن، عن النظر إلى زينة الدنيا، وإلى الذهب والفضة، ويقطع أذنه عن الاستماع إلى كلام أهل التفرقة، حتى يكون أهلًا لمقتضى قوله: "كنت له سمعًا وبصرًا". فإنه لما حفظ سمعه وبصره من المخالف، فني سمعه في سمع الحق، وفني بصره في بصر الحق، وصار في الظاهر والباطن سميعًا بسمع الحق، وبصيرًا ببصر الحق، وبهذا السمع يصير أهلًا لسماع دقائق القرآن، وبهذا البصر يصير أهلًا لمشاهدة قوله تعالى: ﴿فثم وجه الله﴾.
وحاصل الكلام: إن من أراد أن يسمع كلام الحق، ويرى وجه الحق، فلا بد أن يكون سمعه وبصره منه سبحانه، وإلا فإن الحق لا يُرى بالعين الفانية، ولا يُسمع ما لا حرف له ولا صوت بالأذن الفانية. وأما الذي يبلغ هذه الحال فهو الذي يرى، بمقتضى قوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء محيط﴾، تجلي الذات الإلهية في سر الروح.
ولعله يرى نفسه وجميع الأشياء مستغرقة في الهوية، فيرى نفسه تارةً في الأشياء، ويرى الأشياء تارةً في نفسه، ثم يفنى هو والأشياء أيضًا، فلا يبقى غير وجود الحق. ويكون شهوده للحق في الجمع والكثرة. وحيثما نظر رأى: ﴿فثم وجه الله﴾. فتكون قبلته أينما يولي وجهه، ويتخذ نور الذات محرابًا، ويتحرر من قيد الجهة. فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فثم وجه الله﴾.
وقد قال الشيخ الأكبر: «إن كشف فلا غير، وإن ستر فكلّ غير». وقال أهل الشهود: إن للإنسان ثلاثة أعين: عين الروح، وعين القلب، وعين الرأس. فرؤية الحق تكون أولًا بعين الروح، ثم بعين القلب، ثم تصير عين الرأس أهلًا للرؤية بواسطة هاتين العينين. فإذا أزال السالك، بسيف العشق الآتي من الجبار، أصنام الكثرة، صارت الأعين الثلاثة نورًا واحدًا، وبهذا النور الواحد يشاهد الذات المحيطة، بمقتضى قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، فيراه في الجهات الست، بلا جهة وبلا لون.