الحضرة حاضرة - سيدي ابن علان الصديقي

قال الشيخ ابن علان الصديقي في شرحه على الحكم الغوثية عند قوله: الحق تعالى مستبد الوجود، والوجود مستمد والمادة من عين الوجود، فلو انقطعت المادة لانهدم الوجود.

أي الحق سبحانه وتعالى مستبد الوجود أي مستقل به؛ إذ كل موجود من الممكنات مستمد من وجوده؛ وهو المستقل بوجوده. كما قال رضي الله عنه: المادة: أي الاستمداد "من عين الوجود" أي منه سبحانه وتعالى، "فلو انقطعت المادة" أي: المدد منه تعالى لانهدم الوجود، وانهدم وفني، ولم يبق له أثر. فلذلك قال أهل المعرفة: إن تجلي الحق سبحانه وتعالى على القلوب على الدوام، ولا يمنع من ظهور أنوار هذا التجلي إلا الاشتغال بالسوى؛ فلذلك يأمرون بذكر لا إله إلا الله فى الابتداء؛ لأنها مكنسة الأغيا، فإذا ذهب السوى؛ ظفرت بالمولى، وما أحسن ما قاله بعضهم:

أنت حاضر في الحضرة          ليت شعري هل تدرى

إن محبوبك حاضر                ما لجرحك لا يبرا

والحق سبحانه وتعالى ليس بغائب؛ وإنما الغائب أنت عنه؛ لاشتغالك بسواه، فأحضر قلبك تكن كأنك تراه؛ وهذا هو مقام الإحسان كما قال صلى الله عليه وسلم: "لإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". هاهنا نكتة ذوقية في قوله عليه الصلاة والسلام: "فإن لم تكن": أي فإن فنيت "تراه"، إن تحققت بمقام الفناء نلت مقام الشهود، وهي الرؤية القلبية التي تصير في الآخرة بصرية، وأصل ذلك كله وسبب تحقّقه التحلي بالتوحيد، ومعرفة أن الأشياء كلها صادرة منه تعالى، ومستمدة من فضله، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ} وقال في الحكم العطائية: "لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك، ومحو دعاويك لم تصل إليه أبداً، ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه سَتَرَ وصفك بوصفه وغطى نعتك بنعته، فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه".