الخلق حجاب السالك عن الحق - سيدي حسن بن موسى الكردي الباني قدس سره

قال الشيخ حسن بن موسى بن عبد الله الكردي الباني في شرحه على حكم الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قدس سرهما، عند قوله رضي الله عنه:

ما دمت في طلب الحق ، فلا تقف مع الخلق.

اعلم أن الهوى والميل إلى الخلق مانع من مشاهدة الحق والوصول إليه؛ لأنه لا يمكن المشاهدة مع وجود الهوى والميل الذي به الوقوف مع الخلق، فيجب على السالك الطالب للحق أن لا يقف مع الخلق، أي: لا تميل إليهم، بل اعتبر حقائقهم معدومة صرفة مدة دوامك في طلبك الحق تعالى؛ لأنك متى تميل إلى شيء فأنت تحبه، وإذا أحببته تشتغل به، وإذا انشغلت به فتؤثره على غيره، ولذا قيل : إذا أردت اشتغال عوالمك عن شيء فآثر عليه مقابله، فإن أردت ترك الدنيا فآثر عليها الآخرة، وإن أردت ترك حظوظها فآثر عليها الحق، وأن أردت ترك حظوظ نفسك فآثر عليها العبودية لله تعالى.

وقد ورد فيما أوحي إلى بعض الأنبياء: إن كنت تحبني فاخرج حب الدنيا عن قلبك فإنهما لا يجتمعان معًا، فمن كان مع الأكوان، فكيف يشهد المكون؟ والحق تعالى لا يحب الهوى والقلب المشترك كما لا يحب العمل المشترك، والقلب المشترك هو الذي دخله الميل إلى الخلق، والأنس بهم والوقوف معهم.

فالوقوف مع الخلق حجاب لك من الوصول إلى الحق، فمن لم يجد الحق تعالى ما وجد شيئًا، ومن وجده ما فقد شيئًا، فإذا كان الالتفات إلى الغير حجابًا فالرضا به كذلك بالأولى، وقد خاب من رضي دونه بدلاً، والخلق إن دعاك إليهم ظاهرهم فقد نهاك عنهم باطنهم ، والله تعالى وسم الدنيا بالوحشة والأغيار والأكدار تزهيدًا للمريد فيها ، ويأنس بالواحد العزيز الغفار.

أما قوله: السائر إلى الله منقطع برؤياه

فمن سار إلى الله ينقطع عن سيره برؤية ما سواه، وينقطع عن الخلق برؤياه، أي: الذي يسير إلى الله في الله بالله منقطع ومعرض عن جميع الخلق من المحسوسات والمعقولات والجسمانيات والروحانيات بسبب رؤيته الحق تعالى ، فالانقطاع عن الخلق إنما يكون بالرؤية، وقد مرَّ أنه مُحال أن يراه ويشاهد معه سواه، وكما أن الانقطاع إنما يكون بالرؤية، فكذلك الرؤية إنما تكون بالانقطاع، لكن هذا الانقطاع اختياري، والأول اضطراري وشتان ما بينهما فلا توقف ولا دور. ويحتمل أن يكون الضمير في "برؤياه" راجعا إلى السائر لا إلى الله تعالى ، ويكون المتعلق المقدر المنقطع عن السير لا عن الخلق أي: هذا اللفظ دون ذاك فيكون المعنى السائر إلى الله تعالى منقطع عن سيره بسبب رؤيته نفسه؛ لأن السالك الذي يسلك بنفسه ، ويرى في سلوكه وجوده مردود والطريق عليه مسدود فافهم.