قال الشيخ عبد الله البوسنوي في شرحه لتائية الشيخ الأكبر:
كن أيها السالك مع حكم الوقت الذي أنت فيه، في كل حالة من الحالات؛ أي: وكن في طلب مقام في كل حالة بحكم الوقت الذي يقتضي ذلك المقام، واطلب المقام الذي يقتضيه وقتك، وكن في كل حالة من حالاتك. فاحفظ وقتك وأوجبه بالحضور مع الحق، وكن فيه على ما وجب عليك فيه، ولا تلتفت إلى الماضي والوقت الذي فاتك، لأنه مضى، فيفوت لك الوقت الموجود الذي أنت فيه، ولا تتوقف على المستقبل والوقت الآتي، فيفوتك – أيضاً – الوقت الذي أنت فيه؛ فإنه إذا كنت في الوقت الحاضر على حكمه، يمكن أن تكون في جميع أوقاتك التي كانت بالنسبة إليه مستقبلاً كذلك، وإن كنت فيه في فكر المستقبل، يمكن أن تكون جميع أوقاتك في المستقبل كذلك. فالأولى لك أن تكون على حكمه، وتستعمله في سعادتك؛ لأنك ابن الوقت، ما أنت أبو الوقت.واعلم أن الوقت هدية لك من الله، فخذ فائدته، وهو راجع إليه، راحل عنك، فزينته بالتقوى والعمل الصالح، وإلا كان حسرة عليك إذا فاز به الغير.
وفيه إشارة إلى أن السالك لا بد أن يكون مع حكم الاسم الإلهي، الذي هو حاكم على الوقت الذي هو فيه، في كل حالة وصفة تعرض له في الطريق.فإن كنت في حالة الابتلاء بالمرض أو الفقر أو المصيبة أو غير ذلك، تحت حكم اسم المبتلي والخبير، فاصبر على ذلك الابتلاء حتى تقتضي مدته، فتكون من الصابرين، ولا تتعرض لرفعه عنك؛ لأنك تعلم أن الرب لا يبتلي العبد إلا لحكمة اقتضتها حاله السابقة، أو كماله اللاحق المتشخِّص فيه، الذي لا يتحقق به إلا بذلك الابتلاء والامتحان.
وإن كنت في حالة الثروة والنعمة تحت حكم اسم المنعم والمعطي، فاشكر الله على نعمه وآلائه؛ لأنك تعرف أن تلك الأسماء تطلب منك أن تشكر الله، فتكون من الشاكرين، وغير ذلك. فإن تزكت نفسك عن الصفات البشرية، وتخلُّصت عن التلبسات الإمكانية التي طرأت عليها في النزول إلى الرتبة الإنسانية والصورة البشرية، وجدتَ سرَّ الوجود حقيقةً، وهو الوجود الواحد بالوحدة الذاتية، المتعيِّن في مرتبة الألوهية الجامعة للأسماء، الذي هو سرُّ الوجود المتعيِّن الظاهر والباطن حقيقةً، فإنه ممتدّ من حضرة الجمع الذاتي إلى صور الأسماء الإلهية والحقائق الغيبية، ومشتملٌ على الصور المظهرية الكيانية والحقائق الإمكانية، وبتجلِّيه على الأعيان الثابتة في الحضرة العلمية، تعيَّنت الأسماء الإلهية التي تجمعها حضرة الألوهية، وبتجلِّيه في صور تلك الأسماء ظهرت الصور الكونية المظهرية.
فسر الوجود وحقيقته هو الإنسان لأن به يتحقق الوجود المطلق من حيث مطلق في أضداد الجلال والجمال، "من عرف نفسه عرف ربه" فافهم.