قال سيدي أبو بكر البناني في بغية السالك:
اعلم يا فقير أن هذا الطريق عويص شديد المرتقى لا يسلكه إلا رجل امتطى مطية المحبة والصدق، وأما من رام أن يسير فيه وهو ضعيف المحبة والصدق أو لا نية له ولا صدق فإنه لا محالة تنفد نفقته وزاده في الطريق ويبقى في واد التيه. وأما صاحب النية والصدق فإنه يرتقي بحول الله وقوته في أدنى مدة حتى إنه ليقطع في النفس الواحد ما لم يقطعه صاحب العمل الكبير. فالمحبة والصدق إذا حضرا حضرت الطريق وإذا فُقدا فقدت الطريق، وقد علمت أن المحبّة إذا حصلت في الباطن فإنها لا محالة توجب خدمة الظاهر، والصدق إذا انعقدت عقدته في الباطن ظهر أثره في أوجه المعاملات والأحوال، وإذا حصلت هذه الأحوال حتماً أن صاحبها يرتقي بها إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى في نفس أو نفسين، بل نقول: والله لو حصل الصدق في النفس الأول ما افتقر إلى الثاني.
وشاهد هذا المعنى أنّ بعض الأنبياء قال: يا رب أين أجدك؟ قال: في أول قدم صدق تضعه من أجلي . فالفقير إذا تكاملت محبته وصدقه حصل على جميع الخيرات، وإذا نقصت محبته وصدقه كان تأخير الفتح بحسب ذلك، ومن كان لا نية له ولا صدق فالفتح مشكوك لأنه يدخل في دائرة النفاق. فإن تداركته العناية كان من السباق وإلا فالأمر كله لله.
وقد علمت يا فقير أنّ الإيمان لا يتكامل إلا بوجود المحبّة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر وهو يحاوره في المحبة، فأخبره عمر أنه أحبّ إليه من نفسه التي بين جنبيه، فقال له: "الآن كمل إيمانك يا عمر". وكذلك الفتح الكبير موقوف على الصدق الكبير لأنّ الصدق هو الذي يحمل صاحبه على خلع الكونين وجعـل الـحـق عوضاً عنهما كما وقع لسيدنا أبي بكر الصديق لمـا قـال لـه النبي صلى الله عليه وسلم: "ما تركت لعيالك ؟" قال: "الله ورسوله" ، فسماه الله صديقاً لأجل تحقيق صدقه في الظاهر. فكلما تحققت المحبة إلا تحقق الصدق وكلما تحقق الصدق إلا حصلت جميع الخيرات. فالفقير إن كان محباً صادقاً كــان لأهل الله لائقاً ولأسرارهم رامقاً ولعلومهم ذائقاً ولتنزلاتهم ولمواهبهم محققاً وإلا فلا.