العارف جامع المقامات - سيدي محمد بن شعيب الأبشيهي الخلوتي

قال سيدي محمد بن شعيب الأبشيهي الخلوتي:

العارف بالله تعالى المحقق الراسخ ينقسم نظره على ثلاثة أقسام : نظر علم اليقين وهي الشريعة، ونظر عين يقين وهي الطريقة، ونظر حق يقين وهي الحقيقة. فالعارف بالله الراسخ الوارث القدم المحمدي لا بد له من تجليات هذه المراتب الثلاث، فإن نظر لهم بعين الشريعة مقتهم لما يبرز منهم من المخالفات وتعديهم الحدود وظلمهم أنفسهم، وإن نظر إليهم بعين اليقين وهي الطريقة فقد عذرهم، فإنه مطلع لما يبرز منهم في باطن الأمر كما قال تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}،وإن نظر إليهم بحق اليقين فقد أمحاهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "كان الله ولا شيء معه" وهو الآن هو على ما علیه كان.

فإذا كان هذا العارف ناظر بما ذكرناه، فكان هو العارف المحقق الراسخ، وكان مخاطب لكل طائفة بما يناسبها من شريعة وطريقة وحقيقة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أُمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم" وكذلك العارف بالله تعالى مخاطب كل طائفة بما يناسبها، ومورد كل فرقة لمشربها لأنه عين ذاته الأزلية وصاحب حضرته القدسية ورتبته العلية وجامع جمع حقيقته المحمدية.

فكل ولي كان وارثا لقدم من الأقدام المعلومة فكان ناظرًا بعين صاحب ذلك القدم، وكان حينئذ متحركًا بحركاته ناطقا بنطقه فاعلا بفعله، وكل من أخل بشيء مما ذكرناه من إرث صاحب ذلك القدم فكان ذلك الخلل حجاب بينه وبين صاحب تلك القدم.

فيجب عليك أيها الطالب أنك لا تدعي في هذه الطريقة بما ليس هو فيك، ولا تزكي نفسك بما هو فيك، فإن الدعوى تطفئ نور الوجه، والحذر ثم الحذر أيها الطالب أن تنظر في مرآة غيرك، بل النظر في مرآة نفسك، فمن نظر وتحقق في مرآة نفسه فكان عارفا بربــه، قال: "من عرف نفسه فقد عرف ربه" فيجب على الطالب السالك المجتهد أن يدخل من العلم الطريقة، ويدخل من الطريقة إلى الحقيقة،.

فمن استشرف على هذا المقام فهو مقام أهل الغايات الذين شهدوا أحدية العين في جميع الضدين، وشهدوا الواحد قائماً بالاثنين فتنـقــســم أحوالهم على وجهين في شهود وحدة العين التي هي قائمة بالضدين، كما قال سبحانه وتعالى: "وما زال يتقرب عبدي إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنتُ له سمعًا وبصرًا ، فبي يسمع وبي يبصر" فهو اسم ومسمى ومعنى، فالاسم دال على المسمى، والمسمى دال على المعنى، والمعنى هو أن يشهد أن الله وحده.