المعرفة موهبة وتأييد إلهي - الشيخ حسين الخوارزمي

قال الشيخ حسين الخوارزمي الكبروي:

اعلم أنّ لكلّ نبيٍّ ووليٍّ نصيبًا من مقام المعرفة على قدر الشهود المقدَّر له من حضرة الملك الوهّاب، وعلى قدر استعداده لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة حجاب. ولا يتمكّن السالك الصادق والعارف العاشق من العروج إلى معارج تلك المراتب السنيّة ولا الارتقاء إلى مدارج تلك المقامات العليّة إلا بتأييد إلهي، وبالسير والعبور من درجات النفس والقلب والسرّ والروح والخفيّ، ثمّ يتحوّل السير إلى طيران، لأنّ السير في مقام البشريّة السفليّة، والطيران في المقامات الروحانيّة العلويّة. ثم يتحوّل الطيران إلى جذبة، فتطرح الجذبة الأنانيّة وتقرّب إلى الهويّة، حتى تبلغ غاية تورث المشاهدة.

فتُحضر هذه المشاهدة السالك مع الحبيب، وتغيّبه عمّا سواه، وتمنحه في مقام المعاينة نصيبًا من الجمع بعد الفرق، وتنكشف له حقيقة: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾. ويشاهد أنوار غيب الغيب بلا ريب، ويطّلع على أسرار الملك والملكوت وراء سرادقات العظمة والجبروت، حتى تطلع شمس الربوبيّة من أفق العبوديّة، وتستنير أرض البشريّة بأنوار الألوهيّة المستفادة من قوله تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض﴾، ومن قوله: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾.

ثمّ بنفحات لطف الربوبيّة يُفتح باب الهويّة في عين شمس الحقيقة.ثم تستضيء آفاق الجسد بنور الشريعة، وتظهر مشكاة النفس بلوامع الطريقة، وتستنير زجاجة القلب بأنوار الحقيقة، ويشتعل مصباح الروح بنار نور الألوهيّة. وتنبت شجرة الوحدة، ويسمع موسى السرّ النداء: ﴿إني أنا الله رب العالمين﴾.

وباضمحلال الجهات وتلاشي الصور وانعدام الأجزاء، وسطوة عزّة الوحدانيّة، يتدكدك جبل الإنسانيّة، ويصعق موسى الروحانيّة، وتحترق الغيريّة الوهميّة بنار الغيرة، ويرتفع الشرك المتخيّل بأنوار الوحدة، ويظهر سرّ: ﴿كلّ شيء هالك إلا وجهه﴾، ويتحقّق: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، وتظهر حقيقة: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾، ويتجلّى معنى الحديث: "كنت سمعه وبصره ولسانه"، وتنكشف أسرار "كنت كنزًا مخفيًا"، ويزول الحجاب، ويتحقّق الجمع، ويشهد: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾.

ثم يرعى في رياض المعرفة، ويشرب من حياض المحبّة، ويشرب من كأس الجمال شراب الجلال من خمرة الوصال، ويُعفى من جدال القيل والقال، ويتحقّق: ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾.

ومع أنّ العبارة لا تفي بحقيقة هذا المقام، ولا الإشارة تكفي لتعيين ماهيّته، فإنّ من قطع قيود العقل واتّصل بالحبّ المطلق، صار الحبّ سمعه وبصره ويده، فلا يسمع إلا بالحبّ، ولا ينطق إلا بالحبّ، ولا يسكت إلا بأمر الحبّ.

والعقل مشغول بالكيف ولماذا، أمّا الحبّ فذائب في أنوار الجمال، والعقل مقيّد، والمحبّ مدهوش في بساط القرب من المحبوب.

أمّا مفتاحُ ذي الأسنان للطريقة، وهو المفتاح الكاشف لطلسم الباطن الإنساني، فهو تجلّيات حضرة الخالق والجذبات والرقائق، التي يُفتح بها أوّلًا باب مدينة المحبّة. وهذه المحبّة أيضًا مفتاح ذو سنّين: الطلب والشوق، يُفتح بهما دار سلطنة المعرفة من جهتين، وهذه المحبة هي خزينة كنز الوحدة، الذي يدلّ عليه قوله: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت" ولهذه الخزينة مفتاح ذو سنّين أيضًا: أحدهما «لا» لنفي ما سوى الله. فإذا حرّكت هذا المفتاح بيد الإخلاص في نفي الكونين، بل في إزالة حكم كثرة الأسماء والصفات، انفتح من مقام الولاية والأحديّة باب اليقين الثاني، وهو مقام قاب قوسين، إلى حدّ كنز الأحديّة، فتبدو ب"إلا" سبحات الوجه الباقي، طلبًا لكمال اللقاء. هنا يتحقق اللِّقاء الأزلي، فيشرب العشّاق الذين ذهبوا عن أنفسهم، من صهبا تجلّيات جمال الحقّ، بكأس الصدق، ويلبس العارفون، المجردون عمن لباس قيود الشهود، خلعة السلطنة الصافية من إطلاق الوجود.