قال سيدي محمد الحسيني الملقب بكيسودراز الجشتي:
اعلم أيها العزيز أن في هذا العالم هذه الأشياءَ الثلاثة، وما وراءها كلُّه لا شيء: العشقُ والعاشقُ والمعشوق. هي نفسُها الظهور، وهي نفسُها البطون: الظاهرُ عبارةٌ عن الخلق، والباطنُ عبارةٌ عن الخالق؛ وهما في مرتبة الذات واحد، وإن كانا في مرتبة التجليات كثيرين. كما في اسمه "أحد"، المشار إليه بحروف الاسم ذات واحدة، ولكن الألفُ بمعنى العشق، والحاءُ بمعنى العاشق، والدالُ بمعنى المعشوق؛ وفي جمع التوحيد تكون الثلاثةُ واحدًا، كما أن البحر والموج والزَّبَد، كلُّها حقيقةُ البحر، وهي واحد.
فالآن، من فُتح له هذا الباب لم يبقَ "أنا" و"أنت"؛ في ذلك النَّفَس يكون واحدًا، واحدًا. كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وما أمرُنا إلا واحدة﴾، أي: ليست صفةُ الذات إلا واحدة.
وكما ورد في الخبر: "العشقُ نارٌ إذا وقع في القلب أحرق ما سوى المحبوب" ويقول أحد الكبار:
العالمُ عشق، وما سواه رياءٌ وتمويه، كلُّه لعبٌ إلا لعبَ العشق
فإذا حصلت لك هذه النار، احترق حطبُ بدنك، فحينئذٍ لا تبقى أنت، ويبقى العشق. لا تعلم أنت، ويعلم العشق. فإذا خسرتَ نفسك بنفسك، نجوتَ من أنانيّتك. كما أن عشقَ القلب منزَّهٌ عن الماء والطين:
لمجنونِ العشق اليومَ حالٌ أخرى: إسلامه الفناء في ليلى، وما سواها ضلالة
سرُّ المحبوب يعلمه المجنون، أمّا عقلُ العاقل فيبقى ههنا أعمى. لأن "العشق" ثلاثةُ أحرف: العينُ عبارةٌ عن نفي العقل، والشينُ عبارةٌ عن نفي الشرك، والقافُ عبارةٌ عن نفي القالب؛ أي إذا جاء العشقُ أنسى هذه الأشياءَ الثلاثة. كما يقول مصلح الدين الشيخ سعدي، عن عشقٍ صادق:
إذا جاء العشقُ فلا تتكلّم بعدُ عن العقل، فإن الكرةَ أسيرةٌ في يد الصولجان
وقد جعلوا للعشق أيضًا خمسَ مراتب. الأولى الشريعة: أي سماعُ صفة جمال المحبوب حتى يظهر الشوق. والثانية الطريقة: أي طلبُ المحبوب والسيرُ في طريق المعشوق. والثالثة الحقيقة: أي الحضورُ الدائم في حسن المحبوب. والرابعة المعرفة: أي محوُ مراده في مراد المحبوب. والخامسة الوحدة: أي كسرُ وجوده الفاني، واتّخاذُ هذا المحبوب نفسِه موجودًا مطلقًا في الظاهر والباطن.
فإذا تمّت هذه المراتب الخمس بلغ الأمرُ تمامه؛ فلا يبقى في الآخر إلا عشقُ المحبوب، ويغرق موجُ العاشق والمعشوق في بحر العشق. في الأوّل عشق، وفي الآخر أيضًا عشق؛ لأن كلَّ وجودٍ موجودٍ لم يخرج عن العشق، ولا يستطيع أن يبقى بغير العشق. فالأوّلُ والآخر، والظاهرُ والباطن، هو هذا العشقُ نفسه:
ما آدم؟ وما حوّاء؟ العشقُ وحده،
وإن جاء مئةُ ألفٍ قبلُ وبعد