قال سيدي أبو بكر البناني قدس سره في مدارج السلوك:
اعلم يا أخي أن لطيفة الإنسان التي تمت بها إنسانيته قد أوجدها الحق في غاية الاعتدال الكمالي الذي ليس في الإمكان أبدع منه، فكانت أنوارها ذاتية وظلمتها صفة عرضية لا مستند لها إلهياً، إذ الظلمة لا مستند لها بخلاف النور، بل ميل المعاني عن طريق الاعتدال هو الذي ألبسها وصف الظلمة وقبلت اللبسة لكمال الاستعداد الذي أوجدها الحق عليه وأخبر به الرسول في قوله: "إن الله خلق آدم على صورته".
فأصل الوجود موصول بموجده وظهور القطيعة باعتبار ما يعتري السائر إذا سار بغير قوانين الاعتدال. والسير بالاعتدال هو الذي ألحق الأطفال بالرجال، فلذلك كان مدار العاقل على تحصيل العلم بالطريق الموصل، وهو علم الشريعة الغراء النقية البيضاء التي لا يضل من سلكها. فمن نال يا أخي علمها أعطاها حقها وحق الشريعة أن توجد عينها في الظاهر وتشهد حقيقتها في الباطن، فمن وفي الشريعة حقها ظفر بثمرتها التي هي الحقيقة، ومن حرم الشريعة التي هي التزام العبودية بنسبة الفعل إلى الممكن نسبة مقيدة حرم والله الخير بجميع وجوهه.
فرحم الله يا أخي، من استشعر مراد الله فسعى في التحقق به وعمل بمقتضى ما هو الأمر عليه. هذا ومما أوصيك به يا أخي تصفية موارد الشهود عن مزاحمة لوح الوجود بنعت الاستهلاك في عين الحقيقة التي هي عين الشريعة بحيث لا تزال سالكاً مسلك أهل العناية والاصطفاء، وحسب العاقل المستنصح كتاب الله وسنة رسوله.
وأوصيك يا أخي بدوام ذكر الله الذي هو ريش جناح همة السائر إلى منازل القرب والاصطفاء، فوالله يا أخي لقد تتبعنا الأحوال وتبرّرنا بجميع الأعمال فما وجدنا حالاً أعظم من حاله ولا عملاً أكبر من عمله. وقد ذهب الذاكرون الله بخير الدنيا والآخرة. وأوصيك يا أخي بالخروج عن دائرة التقييد مطلقاً حتى تعرف الرجال بالحق فتكون على بينة من الله فيما تأتي وفيما تترك، وإياك أن تكون على العكس فتتصرف بالهوى فإن ذلك عين الخذلان وما وقف الواقفون مع الأعمال والأحوال إلا من حيث التقليد ولو تقطَّعت ربقة التقليد لتمزقت شركة التقييد. فنزه يا أخي لحظك في محاسن دائرة الإطلاق حتى تعلم أن حرمان الفقير صاحب التقييد هو أعظم مصيبة يعاقب بها.
وأوصيك يا أخي بحسن العهد فيما بينك وبين نسبته من محبة أهلها ومن حسب عليها ولو بالظاهر ، فإن ذلك شأن العارفين المعظمين لشعائره، ولا تنقص يا أخي أحداً من حيث ما هو عليه صورة ولكن عظمه من حيث ما هو عليه حقيقة فتربح الظاهر والباطن. واسمع يا أخي قول شيخ الشيوخ مولانا العربي رضي الله عنه إذ يقول: الناس يقولون من نقص شيئاً حرم بركته، وأنا أقول: من نقص شيئاً حرم بركة الجميع إذ البعض عين الكل.