قال سيدي أبو بكر البناني الشاذلي الدرقاوي قدس سره:
اعلم يا أخي أن من فتح الله بصيرته ونور سريرته علم أنه لا فاعل إلا الله ولا معطي ولا مانع إلا الله، وأن جميع الموجودات تحت قبضته، وأنه ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، وأنه ما من أحد إلا وهو عاجز عن نفسه فكيف بغيره. فإذا تحقق بهذا العلم من حيث الإيمان لم يتكدر بما يبرز له من الله على أيدي الناس لأن الكل مسخر بأمر الله سبحانه، فوجب على العبد أن يرجع إلى الله سبحانه وأن يكتفي بعلم الله سبحانه.
على أن هذه الحالة التي صدرت من عاملكم هي نعمة من الله في صورة نقمة وبيان ذلك أنه لا يخفى عليك أن النفوس مجبولة على حب العلو وحب أربابه ، فإذا وجدت السبيل إلى أربابه مالت ميلاً كلياً وأعرضت عن ربها وسارت بسيرهم وهواهم . وقد علمت فساد الوقت وفساد أهله فالله تبارك وتعالى قد اعتنى بكم إن شعرتم.
فتفطن يا أخي لنعمة الله الكامنة في نقمته وإياك يا أخي أن تقول: أهاننا، بل قل: الله أكرمنا كرامة أوليائه حيث حمانا كما حماهم إذ قد علمت أن الله إذا أحب عبداً حماه من الدنيا وأهلها، وأوجه الحماية غير معروفة كما أنه سبحانه إذا أهان عبداً رزقه محبة الدنيا ومحبة أهلها والأكل في مائدتهم إذ لا كرامة أكبر من كرامة التقوى والاستقامة ولا مصيبة أعظم من حب الدنيا وحب أهلها والركون إليهم، فلقد من الله عليكم والحمد لله.
وقد ورد في الخبر: "إن الله يحمي وليه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام"، وإن تعطل هذا السبب من حيث الرزق فلله أسباب بعضها جلي وبعضها خفي ، والمؤمن الكامل يكفيه سبب التقوى وأما السبب الحسي فليس بشرط صحة ولا شرط كمال.