من العجب الطلب في عين التحصيل - الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي

قال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية:

قال الله تعالى: {إن الله جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ}، فهو في نفسه جامع علمه، والعالم علمه بنفسه فخرج العالم على صورته، فلذلك قلنا إن الحق عين الوجود، ومن هذه الحضرة جمع العالم كله على تسبيحه بحمده وعلى السجود له إلا كثير من الناس ممن حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ فسجد لله في صورة غير مشروعة فأخذ بذلك مع أنه ما سجد إلا لله في المعنى فافهم.

وأقل الجموع اثنان فصاعداً، ولم يكن الأمر جمعا ما لم يظهر حكم كثرة الأسماء والصفات والنسب والإضافات والعدد، وإن كانت الأحدية تصحب كل جمع فلا بد من الجمع في الأحد ولا بد من الأحد في الجمع، فكل واحد بصاحبه. وقال تعالى من هذه الحضرة: {وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ} والمعية صحبة والصحبة جمع، وقال: {ما يَكُونُ من نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدْنى‏ من ذلِكَ} وهو الواحد {ولا أَكْثَرَ} إلى ما لا يتناهى {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} فإن كان واحدا فهو الثاني له لأنه معه. فكان الدوام لمعية الحق مع العالم، ولم يزل حكم الجمع في الوجود وفي العدم، فإنه مع الممكن في حال عدمه كما هو معه في حال وجوده فأينما كنا فالله معنا.

فظهر الجمع به فهو الجامع وما زاد على واحد، فهو مع ذلك المجموع ولا يقال هو ثالث ثلاثة وإنما يقال ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة لأنه ليس من جنس ما أضيف إليه بوجه من الوجوه لأنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ولما كانت هذه الحضرة لها الدوام في الجمعية ولا تعقل إلا جامعة وما لها أثر إلا الجمع وما تفرق إلا لتجمع وقد علمت إن الدليل يضاد المدلول وأن الناظر في الدليل إذا كان فيه ومعه مجتمعا لا يكون مع المدلول، ودليلك على الحق نفسك والعالم كما قال: {سَنُرِيهِمْ آياتِنا} أي الدلالة علينا {في الْآفاقِ وفي أَنْفُسِهِمْ} وقال: "من عرف نفسه عرف ربه‏" فجعلك دليلاً عليه فجمعك بك وفرقك عنه في حال جمعك بك، ثم قال لأبي يزيد: اترك نفسك وتعالى، ففرقك عنك لتجتمع به، ولا تجتمع به حتى تنظر في الدليل به لا بك، فتعلم أنك ما زلت مجتمعاٍ به في حال نظرك في الدليل فإنه سمعك وبصرك كما ورد في الخبر.

فأنت وهو مجتمعان في حال طلبك إياه، فمن تطلب أو من يطلب؟ فما برحت في عين الجمع به وهو الجامع لنفسه بك لمحبته فيك، وهذا من أعجب الأحوال: الطلب في عين التحصيل‏.