قال سيدي صديق بن عمر خان العمري في قطف أزهار المواهب الربانية، عند قوله:
قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ جَعَلْتُهَا فَهَا هُوَ كَلِّي نَحْوها اليَومَ خَاشِعُ
قرة العين هو سرورها وفرحها برؤية المحبوب وشهود جماله بعدما كان عنه محجوباً ، قال رسول الله ﷺ: "حبب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة" ، وليس قرة عين المصلي في الصلاة إلا شهود جمال المصلى له. واعلم أن الله تعالى في كل طاعة تجل يختص بها، وكذلك لكل عبادة للمتعبد بها تجل يذوقه حالة كونه يتعبد بأي عبادة كانت، وذوق ذلك التجلي هو الذي يحمل العباد على الجد في العبادة. وله جل شأنه للعارفين في الصلاة تجل خاص بهم، والتجلي الأعظم في الصلاة لا يكون إلا لأعظم الأنبياء قدراً ولمن كان على قدمه من العارفين، فمن كان على قدمه من العارفين فهو أرفعهم مقاماً، أي أرفع من بقية الأولياء درجة، وإلى هذا التجلي أرشد لكل عارف بقوله عليه الصلاة والسلام: "اعبد الله كأنك تراه"، ثم بين له الوصف الذي إذا اتصف به في حالة الصلاة تحصل الرؤية: "فإن لم تكن تراه"، أي فإن لم تكن بأن فنيت عن كل ما سواه حتى رؤية نفسك في حالة الصلاة تراه حينئذ رؤية تليق بكماله "فإنه يراك"جل شأنه، فهو تعالى ينزلك حيث أنزلته: إن رؤية فرؤية، وإن شهوداً فشهود، وإن غفلة فغفلة، وإن نسياناً فنسيان.
ونسيان الحق وغفلته عبارة عن عدم قبوله للطاعة المقرونة بهما. قال عز من قائل: {فَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا}، ونسيان الحق لعبده في الصلاة هو عبارة عن عدم تجليه على المصلي مع الغفلة عقوبة له لعدم استحضاره لما أشارت به إليه حروف الصلاة، وهي أربعة : الصاد وهي إشارة إلى مصادفة الحق فيها للمتوجه بها إليه. واللام وهي إشارة إلى لقائه به بعد فنائه عنه. والألف: هي إشارة إلى الاستقامة فيها، واتصالها باللام إشارة إلى اتصاله بعد قيامه بما تضمنته الحروف من طلب كمال التوجه بمحبوبه.
وفسر المحبوب بما تشير إليه التاء، وهي إشارة إلى التعين الأول المعبر عنه عند الصوفية بالنور المحمدي، وهو نهاية كشف المتوجه في الصلاة. ومن صادف هذا النور في صلاته ولاقاه واتصل به فقد صادف الحق لأنه نور الحضرة الذاتية، وكون أن هذا النور هو نهاية كشف المصلي لأنه منبع حقيقته ولا يمكنه التجاوز عنها، وليس التجاوز بالكشف في الصلاة إلى الحضرة الذاتية إلا للحقيقة المحمدية، لأنها منبع نوره الذي كوّنت منه حقيقته ، فافهم ذلك .