وصف العبد المخلص - سيدي محمد بن محمد بن أحمد الساحلي

قال سيدي محمد بن محمد بن أحمد الساحلي في بغية السالك:

ينبغي للمخلص أن تكون همته الآخرة، وهمه الله، وأمله في الله، وأن يقتصر على الضروري الذي لا بدّ منه من أمر الدنيا وما يتعلق بها من معاملات الخلق، وأن يؤثر الخلوة والصمت فيما يفضل له من أوقات ليله ونهاره عن ضرورات معاشه، وأن يتباعد عن أهل الدنيا وأن يهرب من مخالطة أهل الغفلة، وأن يتهم النفس فيما تسارع إليه وإن كان من أمر الآخرة وأن يدقق محاسبته إياها، وأن يجتنب الأعمال الجهرية فيما لم تشرع فيه الجماعة، وأن لا يتعدى طور الخلق وعادتهم في الملبس والزي ونحو ذلك مما لا يجاوز حد الإباحة، فرب شخص خالف الكافة في بعض المباحات فاستدرجته النفس بذلك للشرك الخفي ، وأن لا يعدل عن الاستخارة في جميع أموره، وأن يديم الفكرة في عجائب الوجود لتشتد بذلك عرى توحيده إذ كل ما اشتمل عليه الوجود من صنوف الموجودات بما هي عليه من أفعال وصفات وذوات يفصح بلسان الحال، ويترجم في كل الأحوال بصريح وحدانية الكبيـر المتعال.

وليجمع بين طهارة الباطن وطهارة الظاهر، وليحذر الميل لغير الله تعالى، ومهما عاجلت الطباع إلى شيء مما يقدح في حال من أحوال منزله، ردها بزاجر الاستغفار. وليعلم أنه دخل في هذا الأمر مقدّمًا ما بين يدي نجواه قلبه لربه، وقبيح أن يجعل في قلبه شركًا لربه، أو يأتي بالهبة ناقصة، أو يعامل الله بموهوب رديء، ومن الحكمة أن تكون المعاملة تناسب المعامل بها فليمط الأذى عن قلبه ، وليهيئه بالطهارة لربه: "لن تسعني سمائي ولا أرضي ويسعني قلب عبدي المؤمن"، ولا يترك أسباب معاشه بالوجه الجائز الحلال، إنما يترك تعلق ذلك من قلبه، ومهما تعذر عليه سبب انتقل إلى سبب آخر حتى إذا تعذرت عليه جميع الأسباب، علم أن ذلك هو المراد منه ليواصل الوجهة إلى الله تعالى ظاهرًا كما واصلها باطنا، وليكمل له سلوان الباطن عن الفكر في مضمون الرزق، ولا يحمله ما دخل قلبـه مـن نـور التوحيد على قطع الأسباب ثقة بالمسبب، فمن تطهر باطنه من أدران أوهام الأسباب مع وجودها خير ممن تطهر باطنه من أدران أوهامها مع عدمها.

وليعلم أنه من أخذ في السفر إلى ربه، فليعد الزاد، وليحسن الاستعداد، فالقلب مركبه والذكر زاده والفكر ريحه والجوارح آلته والمجاهدة بحره، والإخلاص سلعته، والله بغيته، والهدى نوؤه، والصبر مرساه، ومهما تعطل السير بعد المرمى، فلا يرفع عن نفسه عصا التأديب، ولا يمهلها في الرياضة، ولا يسامحها في المجاهدة، ولا يذهل عن حال جريان الذكر بين اللسان والقلب، حتى يكون اللسان هو الذي يتبع القلب في الذكر، وبالمواظبة على هذا المهيع يصير ذكر القلب هو الغالب. ولا يفارق الجد والحزم والمجاهدة على مكروهات النفس، ولا يفارق العلم الذي به يُقوّم طريقه، ويُسهّل سلوكه، والصمت والخلوة والذكر والجوع أرفع دعائم النفوذ والوصول، فليصمت إلا عن الحق، وليخل إلا عن جماعة الدين، وليذكر متصلا على كل حال، وليجع إلا عن مقدار ما يقوم به الأود ويقيم الظهر، ولا سبيل له إلى الوصال في الصوم ، فذلك منهي عنه ، وليقلل من الغذاء على سبيل التدريج الذي لا يخل، ثم لا يزال كذلك فـي كـل منـزل حتى يصل إلى منزل المشاهدة بأقل ما يمكن.