وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ - سيدي إسماعيل حقي البروسوي

قال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي في مرآة الحقائق:

قال تعالى في أواخر سورة الكهف: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزُنَا}. نفى هنا أن يكون لهم الوزن يوم القيامة ، وأثبت في قوله : {والوزن يومئذ الحق} لأن المقصود من نفيه بيان ألا يكون لهم قدر عند الله كما للمؤمنين، وهو لا ينافي الوزن في الحقيقة.

دل عليه أنه تعالى حكم بكون الوزن حقاً أي ثابتاً، والثبات إنما يكون بالرزانة والثقل؛ وهو لا يكون إلا للمؤمنين، فمن ثقلت موازينه فله وزن عند الله ومقدار مَن خفَّت موازينه فلا قدر له عند الله تعالى. لأن القدر إنما هو بالاعتقاد والعمل، وقد عدمهما الكفار.

واعلم أن الإنسان السالك في أول حاله يطلب أن يكون كالذرة المرئية في شعاع الشمس عند انعكاسه من الكوة، فإن وجوده، وإن كان وجوداً موهوماً في الحقيقة، فإن خيال وظل بالنسبة إلى الوجود الحقيقي؛ لكنه لما تعين بتعينات مختلفة؛ حصلت له منه الثقلة الطبيعية والبشرية، والكثافة الجسمانية الصورية والتعلقات الكونية المعنوية المانعة عن الحركة من الحضيض إلى الأوج، فهو في بدايته دائماً يطلب خفة كخفة الذرة ليخلو من التركيب والتعلقات؛ ليتم له أمر التجريد والتفريد، فيكون من المفردين السابقين.

وبعد الفناء التام وتأدية الأمانات إلى أهلها، يحصل له الثقل بالبقاء، والتلبس باللباس الحقاني فيزول الطلب المذكور؛ لأن الأكملية إنما هي في تلك الرزانة الحقيقة التي من تحمل الأمانة الكبرى. وقد أشار إليها صلى الله عليه وسلم بقوله: "اللهم اقض عني ديني". ولا شك أن الأمانة الكبرى هي التي لم تحملها السموات والأرض والجبال، وأشفقن منها وحملها الإنسان؛ فهو حامل لتلك الأمانة الثقيلة أبداً، وفيه كمالها أكملية، فهو حين يطلب خفّة كخفّة الذرة تقول له الذرة: أين أنت من الفهم ؟ إنك تطلب خفتي، وأنا أطلب ثقلتك، وقد امتلأت بك السموات والأرض، وأما أنا فوجودي الموهوم لا يسدُّ شيئاً أصلاً، فلا كمال لي قطعاً. وذلك أن كل ذرة، وإن كان فيها ما في الكل؛ لكن ذلك فيه بالقوة لا بالفعل ، وإلا لكانت مساوية الإنسان في الدرجة.

فإذا تمكن الوقار الباطن في القلب من تحمل الأمانات والتحقق بأحكام الأسماء والصفات؛ تمكّن الوقار الظاهر في القالب من تحمل الشرائع، والأحكام، والعمل بما يقتضيه كل حال ومقام؛ فهذا الوقار مطلقاً هو المقبول، وأما وقار الأغنياء والملوك في الظاهر بتغيير الأوضاع والأطوار عند أهل العرف والعوام من غير أن يكون لهم تقوى في القلب، وعمل بأحكام الأجسام، فذلك غير رائج في سوق الحقيقة، فإن النظر إلى المعنى لا إلى الصورة.