ما الحب إلا للحبيب الأول - سيدي سلطان ولد بن جلال الدين الرومي

قال سيدي بهاء الدين سلطان ولد، بن مولانا جلال الدين الرومي:
عندما يأتي العشق، لا يبقى غير الواحد؛
وعندما يأتي اليقين، يزول الشك من الصدر

إن عشق الأحد يخلّصك من العدد؛
فلتكن بكليتك عشقاً أيها العاقل

فتصير كالمرآة في الصفاء؛
فلا يبقى فيك إلا جمال المصطفى

ولا تظنّ أن المصطفى غير الحق؛
فهو نور الحق ظاهراً وباطناً

فمعنى "أنا الحق" هو هذا، فاسمع جيداً:
ذلك الذي لم يرَ في نفسه غير «هو»

غسل رسم نفسه حتى أصبحت الصفحة نقية؛
فأظهر الحق وجهه من غير اثنينية

وفي حالة انعدام الأنا والأنت، تظهر روح الأرواح؛
متجلية في المرآة.

ومن تلك الأنا الخالية من الأنا في الباطن،
يصير الباطن والظاهر شيئاً واحداً كلياً

فلا يبقى عدد بعد ذلك، ولا ضدّ ولا ندّ؛
إذ يضمحل المزاح والجدّ أمام الوحدة

ولا يبقى ظاهراً ولا باطناً إلا الله؛
فيكون الخالق هو الحامد لنفسه

اسمع قول: ليس في الدار سوى الله،
إذا فتحت عينك وأذنك المعنويتين.

فعشقك ينقلك من عالم الأعداد إلى الوحدة،
ويمزق حجاب الكثرة والعدد

فالعاشق، سواء كان من هذا الجانب أو ذاك،
فإن العشق يهدي الجميع إلى الوحدة

ومتى استولى عليك العشق الحقيقي،
سواء كان متوجهاً إلى الله أو إلى بشر

فلا فرق إلا في الصفاء وفي المنزلة؛
فالعشق إذا اقترن بالصدق يظهر لك في النهاية شيئاً واحداً

وفي العشق لا يبقى غير العشق؛
وأما النيات والأسماء فليست إلا حطباً يابساً فيه

فالنيات والأسماء ثمرة الوجود المقيّد؛
وأما من غرق في سُكر العشق فقد صار بلا علامة ولا رسم

العشق وحده هو الدليل والسيد؛
والعشق وحده هو الجنة والكوثر

إذا جاء العشق لم يبقَ قدم ولا يد؛
وفي يمّه تحملك أمواجه صعوداً وهبوطاً

لا أثر للنية في ذلك البحر؛
فمئات العوالم تنقلب في موجته رأساً على عقب

وكما تكون ورقة تبنٍ في السيل والنهر،
فاعرف نفسك في العشق كذلك

ومن صار أداةً في يد العشق،
غاب عن رأسه وقدمه، وغدا سكران بالعشق

فلا ريب أنه يكون مظهراً لله؛
وإن بدا في صورة بشر، فحقيقته روح

صورته أداة في يد الحق؛
وكل ما يصدر عنه إنما يصدر من تلك الحال

وهو القطب الحقيقي في العالم؛
وتحت حكمه الأرض والسماء معاً

لقد جعل قومٌ أنفسهم أدوات للعشق،
حتى سمّاهم الخلق شيوخاً وأئمةً ومرشدين

وما قيمة عشقٍ لا يتجاوز كونه أداةً للوصول إلى الأغيار؟
وأما عشق الحق الذي فهو الوجود المطلق

فإن الحق يجعل الشخص أداةً في يده،
كما يحمل ماء النهر ورقة التبن

يحملها ذلك الماء من جهة إلى جهة،
متدحرجةً مضطربةً من مجرى إلى مجرى

أما من كان عشقه مجرد دعوى مرتبطة بشخصه،
فهو في حجاب، والباب موصدٌ في وجهه

فلا تقصد ذلك الجاهل من فرط السذاجة؛
فماذا يمكن أن يُنال من كيسٍ فارغ؟

فالفقير المعدم ماذا يعطيك من زاد؟
وكيف يضع بين يديك نعمةً من لا يملك شيئاً؟

إنه سرابٌ يخيَّل إليك أنه ماء جارٍ؛
فإياك أن تخطو نحوه عبثاً

فلا تمدّ يدك إلى كل أحد جزافاً؛
فإن أكثر الدعاوى ليست إلا تزويراً وتفاخراً وادعاء