إني جاعل في الأرض خليفة - الشيخ صاري عبد الله البيرامي

قال الشيخ صاري عبد الله الببرامي، المتوفى عام 1071 في جوهرة البداية:

اعلم أن جميع التجليات تنتهي إلى الإنسان، لأنه المرآة الجامعة لسر الله تعالى. فالإنسان الكامل هو الحقيقة الكلية للإنسانية، المشار إليها بأحسن تقويم، صاحب الولاية العظمى، الجامع للمعاني والصفات والأخلاق والمراتب والكيفيات والكميات والأحوال.

ولما كانت الإحاطة بالجزئيات والكليات، والعلو والسفل، من خصائص الولاية، فالكامل هو من كانت صورته الظاهرة كثرة، وصورته الباطنة روحًا رحمانيًا، وروحه وحدة، وسره أحدية، وأفعاله فردية من خلف المراتب. ولأن العقل ترجمان الروح، كان اللسان الإنساني صادرًا عن العقل، وكان البيان مدبرًا للصور الإنسانية. ولما كان العقل منفعلاً عن أمر الله وتجليه، صار مظهر الفيض الإلهي المحيط بجميع الأشياء. ولهذا كان الحكم بالحلال والحرام في العالم للعقل. واعلم أن الروح صورة الاستواء، والعقل صورة الإحاطة، والقلب صورة الجمع، والنفس صورة الفرق.

فالعلو والسفل من حقائق النفس؛ فإن علت صارت روحانية، وإن نزلت صارت جسمانية. فبها قامت صور الظاهر والباطن، وباعتبار النفس الكلية ظهرت جميع صور العلو والسفل. وللنفس ثلاث مراتب: البطون وصفته الجمع، والظهور وصفته التفرقة، والجمعية وهي بهذا الاعتبار عين الحقيقة.

فصورة الإنسان الكبير الظاهرة هي عالم الحس والشهادة، وحقيقته الباطنة الروح الأعظم، وترجمانه العقل الكلي، وحاكمه النفس الكلية. وله ملكوت الملك، لأنه الإنسان الكبير الجامع. والإنسان الصغير خليفته وصورته ومختصره. فالعالم إنسان صغير، والإنسان عالم كبير: صورته الظاهرة بشرية، وحقيقته الباطنة روح إنساني صادر عن الروح الأعظم. وبفناء الكثرة وبقاء الوحدة يصل في النهاية إلى الهداية والخلافة، ويصير مظهر قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة}فيستمد من الله ويُمدّ ويُفيض على المراتب.

فمن أراد أن يكون من الأولياء الكاملين وعلماء الروح، فليُربِّ النفس بالهمة، ويخرج من صفات النفس، ويدخل حرم القلب، ثم يعرج من القلب إلى الروح، ومن الروح إلى السر، ومن السر إلى العلم، ومن العلم إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى شهود الحق، ثم يتجاوز الشهود إلى بحر الحقيقة، ويصير عارفًا بالرب بأنوار الجمال، ويتجاوز الأنية، ويكون موحدًا حقيقيًا.

فما دام لم يترك الماء والطين لا يرى نور النفس، وما دام لم يهجر الهوى لا ينال قرب المولى، وما دام مقيدًا برؤية الغير لا يشهد جمال الوحدة، وما دام لم يفنَ في الهيبة لا يعرج إلى عرش المعرفة. ومن لم يُهذِّب القلب بالمحبة الإلهية، ولم يشرب من عين الروح القدس، ولم يذق سر {نفختُ فيه من روحي}، لا يكون عارفًا.