الإنسان خليفة الرحمن -سيدي صنع الله الغيبي الملامتي

قال الشيخ صنع الله الغيبي الملامتي قدس سره:

يا طالب الحق والتحقق بالعشق، اعلم أن حقيقة ذات الحق سبحانه منزّهة عن الجهات كلها، وأن الذات مجهولة الكنه، ومع ذلك فهي أقرب إليك من حبل الوريد، لا مكان لها ولا علامة، وهي منزّهة عن التحيّز مع أنها قد تجلت بكل حيز وموضع.

واعلم أن السير إلى الحق ليس بحركة الأجسام، بل هو مقصور على القلب والروح، ولذا كان تحصيل المشاهدة والمعاينة الحقيقية منوطًا بالمجاهدة، والذكر، والأوراد، والأعمال الصالحة، مع تزكية النفس، وتصفية القلب، وتحقيق الجمع الباطني. فحينئذ تُجلى مرآة الإدراك من صدأ الكثرة، وتُبرّأ النفس من الخواطر المردودة، ويُعلم أن الوصول لا يتحقق إلا بالتوجّه والمراقبة. وامتثالًا للإشارة الإلهية: «لا تسعني سمائي ولا أرضي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن»،يصير القلب بيت الله ودار ملكه، ويتطهّر من كل ما سوى الله، ويستنير بنار العشق.

فما دام قلب طالب الهدى غير مزين بالتطهير والتجلية، لا يتحقق فيه تجلّي الذات الإلهية. فإن الحق تعالى متجل على الدوام بلطفه، والمطلوب منك أن تطهر محلك بالمحبة ليظهر التجلّي لك وفيك، ولا يكون ظهور هذا النور إلا بحسب القابلية، وإلا فإن التجلّي دائم واحد لا يتناهى، لا يجيء ولا يذهب ولا يتكرر.

وحقيقة الصراط المستقيم هي القلب السليم، المطهّر في ذاته، الذي يتشرّف بالعشق الحقيقي والمحبة الذاتية، ويتحرر تحررًا كليًا من نقائص التعلّق بغير الله، ووفقًا لمعنى قوله: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، يُفتح طريق معرفة النفس، فتحصل المعرفة بالرب.

ولهذا سلك المشايخ العظام والأولياء الكرام بطالبيهم طرقًا ورسومًا مناسبة لصفاء فطرتهم واستعدادهم الجِبِلّي، فأناروا قلوبهم الشريفة وأسرارهم اللطيفة. غير أن أكمل هذه الطرق وأقربها وأسهلها هو ذكر التوحيد، وإسقاط الهوى، ومحبة المولى. فإن المحبة في الحقيقة أحدية لا تقبل الانقسام: إما أن تكون خالصة لله أو لغيره. والاستغراق في المحبة الكلية مختص إما بالله تعالى في إطلاقه أو بمحبوبه الحق الإنسان الكامل.

أما الحق سبحانه، فلما كان في مرتبة الوجود المطلق غير المتعيّن، كان توجه العقل إليه على سبيل التمهيد، ولكن لا يتحقق الوصول الحقيقي إلا بمحبة المولى ورسوخها في القلب. وأما الإنسان الكامل، فلما كان جامعًا لتجليات الذات والصفات والأسماء، كانت محبته في الحقيقة محبة لله، فصار التوجه إلى أي منهما عين التوجه إلى الآخر.

فإذا استُوفيت هذه المقدمات التحقيقية، وثبتت المعاني الحقيقية، تبيّن أن الصدق في الطلب، واللزوم في العشق، أمر لا بد منه، وأن ميل الإنسان وحبه وعشقه يجب أن يرتقي من مرتبة الجزئية إلى حدّ الكمال، حتى يسري العشق الحقيقي والمحبة في جميع أجزائه وقواه، ويجري في عروقه، ويحيي قواه الروحية، فينطق بلسانه، ويسمع بأذنه، ويرى بعينه، ويظهر لنظره، ويمسك بيده، ويمشي بقدمه، فيكون الكل هو ذلك الواحد. فالإنسان، الذي قلبه اللطيف بيت السلطان، وصدره وحواسه حرّاس الجمال الإلهي، هو مظهر أسماء الحق ومرآة تجلياته، فعليه أن يربط روحه وقلبه بالحب والمودة بصاحب هذا الكمال في مرتبة الوحدة، فيرفع حجاب الخيال البشري المتعلق بالكثرة عن عين القلب، ويزيل الغفلة عن كل نفس، ويرفع سبعين ألف حجاب، حتى يبلغ حالًا لا يظهر فيه أثر للأنانية ولا يبقى له رسم.