قال سيدي سعد الدين حمويه الكبروي، المتوفى سنة 650 هجرية (مترجم عن الفارسي):
استمع الآن إلى حديث اسم الله. فالألف من «الله» تشير إلى بداية جميع الأشياء، والهاء تشير إلى نهاية جميع الأشياء، واللام تشير إلى الجلال. والموجودات المختلفة تُربَّى في أرحام الأمهات حتى تخرج من ضيق ظلمة الرحم إلى فضاء نور العالم.فخروج الإنسان من الوجود العلمي إلى الوجود العيني هو انتقال من الظلمة إلى النور، وفي هذا الخروج يظهر صبح الحقيقة، وشمس اليقين، وقمر القرآن، وكواكب الفرقان، فينطق بسرّ القدس الإلهي.
فإذا وافق الناسوتُ اللاهوتَ تحقق، وكما أن الحديد الأسود الصلب إذا أُدخل النار صار أحمر ليناً، ثم يُطرق ويُصقل حتى يصير مرآة تعكس الصور، كذلك الإنسان بواسطة المجاهدة والتزكية يصير قلبه مرآةً جامعةً تنعكس فيها حقائق العالم.
ولهذا شُبّه القلب بالمرآة التي كانت على منارة الإسكندرية، والتي كانت تُظهر أحوال الأعداء قبل وصولهم. وكذلك القلب إذا صُقل بنور العلم والمعرفة كشف ما تخفيه النفس والشيطان، وأبصر حقائق الأمور قبل وقوعها. فعندئذ تنهزم ظلمات الجهل أمام أنوار العلم، وتتمزق حجب الكفر، ويُردّ المنكر إلى المعروف، والمستور إلى المكشوف، والاعوجاج إلى الاستقامة، والجهل إلى العلم، ويظهر سر التوحيد في كل شيء، وتجري كلمة: "وحده لا شريك له" على كل لسان. وحينئذ تنكشف أسرار الجلال والجمال والكمال، ويظهر أن اللاهوت باطن الناسوت، وأن الناسوت ظاهر اللاهوت.
فإذا أدرك الإنسان هذا السر، عرف أن هاروت وماروت، والطاغوت، وسائر الحجب، إنما هي رموز للهوى والطبيعة والجهل. وعرف أن النفس إذا استولت عليها الشهوة والجاه والمال صارت كفرعون الذي حجبه كبره عن الحق. أما إذا غلبت الروح والمعرفة والمحبة واللطافة على النفس، غلبت فيها صفة عيسى عليه السلام، وارتفعت عن ظلمات الجسد إلى عالم الروح. وحينئذ يصل الإنسان إلى ذلك العالم الروحاني يرتفع عنه الخوف، ويحصل له الأمن الكامل والطمأنينة، ويصير قادراً على أن يشاهد ويعرف ما شاء الله له أن يشاهد ويعرف.