القلب بيت الرب - الشيخ معين الدين الفراهي الهروي

قال الشيخ معين الدين الفراهي الهروي، المعروف باسم ملا مسكين، في تفسيره لسورة يوسف:

يا درويش، اعلم أنه إذا نالت مرآة القلب كمال الصقل، وأصبحت قابلةً لأنوار العالم الغيبي، فإن أشعة أنوار الصفات تنعكس من وراء الحجب الروحانية والقلبية على مرآة القلب، وبقدر صفاء ذلك القلب يظهر فيها الجمال. فإن كان القلب قد صفا بمقدار كوكب، شوهد ذلك النور بمقدار كوكب. وإذا زالت عنه صدأة الطبع زوالاً تاماً، شوهد النور في صورة القمر. وإذا بلغت المرآة غاية الصفاء، وتجلّت بنور الذكر، شوهد في صورة الشمس.

وهذه كلها ليست إلا انعكاسات لأشعة أنوار صفات الربوبية التي تُشاهد في مرآة القلب، لكنها ما تزال من وراء الحجاب الروحاني والقلبي، ولذلك تتجلى في صور مختلفة ثم تأفل. وعند ذلك يضرب العارف ـ على طريقة الخليل عليه السلام ـ بسيف:﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ على هامات الحوادث والمظاهر الزائلة، حتى يرتفع الحجاب الروحاني والقلبي من بين المحب والمحبوب، ويتجلى جمال الذات بلا حجاب في مرآة الصفات. ثم تُخرق حجب الصفات نفسها، حتى يُرى نور الذات من غير وسائط المرايا والصفات، وعندئذٍ تنكشف حقيقة هذا المعنى.شعر:

زال الخاص والعام، والوحدة والكثرة، وزال كل ما كان غير تلك الحضرة
وتنحّت الأفعال والصفات جانباً، فظهرت الذات من عين الصفات

فعند ذلك يعلم العاشقون أن عين الخفاش لا تطيق مشاهدة جمال الشمس، فيُوَكِّلون جمال المحبوب إلى نظره هو، ويخرجون هم من البين خروجاً تاماً.والآن يا عزيزي، اسمع:

الرائي والمرئي كلاهما ذاته، وهذه الصفات والأفعال مرايا له
والذي يشاهد جمال نفسه بنفسه، يستمد الفيض من وصال نفسه
فإذا توسطت المرآة زال الغريب، وخرج من البين كل ما هو غير

ومن هذا المعنى قال مولانا الرومي:

عزمت أن أتبرأ دفعةً واحدة من القلب والعين،
فإذا أشرقت شمس الروح فلا حاجة لي إلى الشمعة والكوكب
يا قلب، انظر إلى الرسام، فما شأنك بالنقوش ؟
انظر إلى الشمس والقمر، ولا تدر حول الكواكب
لطالما كنت غافلاً بعيداً، لكنك إذا بلغت مجلسه نجوت،
ولكن مضى عمرٌ وأنت في الغربة، تائهاً عن الدار والديار

يا درويش، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، ويمكن أن يقال أيضاً: إن الله اشترى النفس لا القلب، لأن القدرة على تسليم المبيع شرط في صحة البيع. ولهذا لا يصح بيع الطير في الهواء، ولا السمك في الماء، ولا الصيد في الصحراء، لأن البائع لا يقدر على تسليمه.

والقلب كذلك خارج عن تصرف العبد لأنه لله، بين اصبعين من أصابع الرحمن؛ فتارةً يطير كالطائر في فضاء الهوية، وتارةً يسبح كالسمك في بحر الأحدية الخفي، وتارةً يتيه كالصيد الوحشي في صحراء الحيرة. يا درويش، ذلك المنعزل في خلوته الذي يتحدث عنه العالم كله ولا يراه أحد، هو القلب.وذلك البستان الذي تعطر نفحات وروده عالمي الملك والملكوت، ومع ذلك لا يقطف أحدٌ زهرةً منه، هو القلب. وذلك الذي لا يظهر له أثر في اللوح المحفوظ لطيه في حضرة قدم الوحدة، هو القلب.