الوجود مرآة السالك - سيدي أبو بكر البناني

قال سيدي أبو بكر البناني الشاذلي الدرقاوي قدس سره:

فإن أردتم إخواني أن يكون الله لكم بما كان به لأوليائه فانسوا أنفسكم شغلاً بربّكم يكن لكم ولياً ونصيراً، وإياكم ثم إياكم أن تعتقدوا أن أحداً اشتغل بنفسه بنعت نسيان ربه وحصل له نصيب من هذه الطريق، لا والله لا والله لا والله. وإن أردتم تحصيل العلم بما قلنا فجربوا نسيان أنفسكم في الله ولو ساعة واحدة تجدوا حقيقة ما قلنا، ومن لم يسلم من غير تجريب فليس بمصيب {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، فاستوصوا بالله خيراً فإنه من لم يعرف الله في الدنيا بنسيان نفسه لم يعرفه في الآخرة بمجاورته في حضرة قدسه، فاجمعوا هممكم عليه فإنه سبحانه خير وأبقى.

واعلم يا أخي أنَّ {اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم محْسِنُونَ}، فمن أراد معية الحق الخاصة بأهل العناية فليسلك سبيل المتقين وليتحلّ بحلية المحسنين إذ في ذلك الجمع بين الشريعة والحقيقة وفي الجمع بينهما باطناً ظهر سر التفرقة ظاهراً حتى يكون الإنسان برزخاً بين البحرين.

وأوصيك بتقوى الله الذي لا إله إلا هو في السر والعلانية، أما في السرّ فاحذر أن يطلع على قلبك فيجد فيه ميلاً لغيره، وأما في العلانية فاحذر أن يفقدك حيث أمرك أو يجدك حيث نهاك. فاتق الله تر عجباً واسحب حكم التقوى على الجوارح الظاهرة غاية فإنه إذا تمكن منها انصبت مادته على الحقائق الباطنة، فاحفظ بصرك من النظر إلى ما لا يرضاه الله واحفظ لسانك من ذكر ما لا يرضاه الله، واحفظ يدك أن تبطش ما لا يرضاه الله، ورجلك من السعي إلى ما لا يرضاه الله. وهكذا يا أخي فإنك إذا أحكمت أساس الدار صح لك بناؤها وإذا لم تحكم الأساس وبنيت الدار فإنها لا محالة تتهدم ويلحقها الخراب، وليس ذلك من فعل العقلاء والأساس هو الظاهر كما أن الدار هي الباطن فمن كملت شريعته كملت حقيقته ومن لا شريعة له لا حقيقة له.

واعلم يا أخي أن الرجل في الدنيا هو الرجل في الآخرة ولا تفهم غير هذا فإن قلب الحقائق محال، والرجل في الدنيا هو الذي قطع أسبابها ووصل أسباب الآخرة. فاحذر يا أخي فتنة الدنيا حتى لا تصدنك عن الله. وقد علمت يا أخي أن المراد بالدنيا هي كل ما يحول بينك وبين الله فكل قاطع عن الله فهو الدنيا سواء كان حسياً أو معنوياً، وأعظم قاطع لأهل العلم والشعور الدنيا المعنوية مثل الرياسة وحب الجاه بل ذلك هو أعظم مراتب الفساد لأهل الحس والمعنى، فوالله ما حصلت عداوة أبناء الدنيا والآخرة إلا بهذين الأصلين الخبيثين.

والفقير إذا رأى المزية لنفسه بحاله أو بمقامه أو بعلمه خذله الله ولا يبالي به في أي واد هلك. وعلامة رؤية المزية تنقيص الوجود إذ لولا أن الفقير نسب الكمال لنفسه ما نقص غيره إذ لو رأى نقص نفسه لكان له في ذلك شغل عن الالتفات إلى الغير أياً كان. فعامل يا أخي الوجود بما تحب أن يعاملك الله به ولا شك أنك تحب من الله أن يظهر مليحك ويستر قبيحك.