تفسير الفاتحة - محمد كيسو دراز الجشتي

قال الشيخ محمد كيسو دراز الحسيني الجشتي، أحد كبار مشايخ الهند، وقد توفي في عام 825 هجرية:

﴿بسم الله﴾: باسم حضرة حقيقة الحقائق، المستحقّ للعبادة، الجامع لجميع القابليات والكمالات الأسمائية والصفاتية، نُبيّن الأسرار القرآنية واللطائف الفرقانية التي بها قِوامُ العالَم والعالَمين. ﴿الرحمن الرحيم﴾: الذي فيضانُ وجودِ المظهرية، وبقاؤه بإمداد التجليات، من إنعامه.

﴿الحمد﴾: جميعُ الثناء والمدح الذي نُسب إلى جميع الموجودات وجملة الكائنات من الأزل إلى الأبد، ويُنسب وسيُنسب، ﴿لله﴾: هو للذات المستجمِعة لجميع الصفات، المسمّاة بجميع الأسماء. ذلك أن الموجودات كلها مظاهرُ للأسماء الإلهية، فكلُّ ثناءٍ يُنسب إليها هو في الحقيقة، بلا تأويل، لله الذي ليس غيرُه في الوجود، ولا سواه في الظهور. ﴿رب العالمين﴾: المُظهِرُ نفسَه بلباس التمثّلات والتعيّنات، وهي كنايةٌ عن عالم الأعيان وعالم الأجسام، وإليه الإشارة بالمحبوب والمحبّ. فهو هو، ولا غيره. ﴿ومن يدعُ مع الله إلهًا آخر لا برهان له به﴾. فمع هذه الألوان المختلفة والأشكال المتضادّة، إلهُكم واحد، وحده لا شريك له، بلا شك: ﴿إنما إلهكم إلهٌ واحد﴾. يعشق نفسَه بنفسه، ولا يلتفت إلى غيره. ﴿هو الأول هو الآخر هو الظاهر هو الباطن وهو بكل شيء عليم﴾.

بيت:

ما هو إلا العشقُ يتجلّى في العالَمَين،
تارةً في لباس الملِك، وتارةً في كسوة السائل الفقير.

﴿الرحمن﴾: واهبُ الوجود مرّةً أخرى بالتجلّي الشهودي الملكوتي، وهو المتضمّن للبقاء بالله بعد فناء الوجود الموهوم. ﴿الرحيم﴾: واهبُ الفيض، وواهبُ مشاهدةٍ أخرى، هي مشاهدة أنوار المعاني وكشف الحقائق الربانية بعين الباطن بالتجلّي الجبروتي. ورمزُ هذا التجلّي قولهم "إذا تمّ الفقر فهو الله"، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾. وهذه مشاهدةٌ يكون في تنزّل وقتها دوامُ الشهود، فالريب والشك هنا مفقودان، والغير والغيرية لا وجود لهما أمام عين السالك.

﴿مالك يوم الدين﴾: المتصرّف في يوم الجزاء. والجزاء عبارة عن وقت فناء السالك وغَيبته عن عالم الكثرة. وذلك حين يجعل السالكَ فانيًا بالفناء الأول، بمقتضى ﴿يوم تُبدَّل الأرض غيرَ الأرض﴾ ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾. فيجعل وجودَه الكوني مجلًى لنفسه تعالى، ويقتلع وجودَه بسيف ﴿وبرزوا لله﴾، ويُنادى من وراء سرادقات العزّة: ﴿لمن الملك اليوم﴾. والسالك الذي ذاق شراب «ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطل»، ولبس قباء ﴿جاء الحقُّ وزهق الباطل﴾، يقول بلسان الحال: ﴿لله الواحد القهار﴾.

ولمّا لبس السالكُ خِلعةَ البقاء بالله ولباسَ المعشوقية، وزالت رؤية الغير من أمام عينه، وتبدّل بُعدُه حضورًا، صعد من حضيض الغَيبة إلى ذروة الخطاب، وقال:

﴿إياك نعبد﴾: إيّاك نعبد وحدك. أي إن كلَّ خدمةٍ وعبادةٍ تصدر منا، وإن نُسبت في الظاهر إلى غيرك، فهي في الحقيقة لك، إذ ليس لغيرك وجود. وفي ذلك يقول الشيخ العراقي: "كلُّ من أحببتَه فإيّاه أحببت، وإلى أيّ شيءٍ توجّهتَ فإليه توجّهت، وإن لم تدر".

﴿وإياك نستعين﴾: ومنك خاصّةً نطلب العون على إثبات وحدانيتك، إثباتًا لا تشوبه شائبة الشرك الجلي ولا الخفي. فالشرك الجلي أن نُجري اسمَ الغير على اللسان، ونسمّي العالَم سوى الله. والشرك الخفي أن نُخطِر خاطرَ الغير في القلب، ونرى التأثيرات من الأشياء، ونغفل عن المؤثّر الحقيقي، وما تسمّيه أنت غيرًا وتظنّه غيرًا هو ظهورُه ونورُه.

بيت:

عينٌ واحدةٌ متّفقة، لم يكن سواها ذرّة؛
فلمّا ظهرت، صارت هذه الأغيارَ كلَّها.

﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾: أرِنا الطريق المستقيم. وما ذلك الطريق المستقيم؟ ﴿إنّ ربي على صراطٍ مستقيم﴾. أي إن جميع المظاهر الجلالية والجمالية مظهرُ «هو»، وهو الذي، باسمَيه الهادي والمُضِلّ، الفاعلُ والمتصرّف الحقيقي في جميع المظاهر. فأرِنا أن الفاعل الحقيقي واحدٌ لا أكثر، وليس لأحدٍ غيره نصيبٌ في الفعل. ﴿واللهُ خلقكم وما تعملون﴾ بيانُ هذا السرّ.

بيت:

ما من موضعٍ إلا وعكسُ وجهه فيه ظاهر؛
فإن لم يقبل العكسَ، فالذنبُ ذنبُ المرآة

والصراط المستقيم شهود حقيقةٍ مطلقة، وبذاتٍ منزّهةٍ عن لوث الكثرة. وهي، مع وجود التعيّنات والتقيّدات، "الآن كما كان"، على صرافة الإطلاق، باقيةٌ على حالهاا، والتعيّنات والتكثّرات صورُه ومظاهرُه، وأنه هو الذي تلبّس بهذا اللباس وتجلّى، وأن غيره عدمٌ محض، لا وجود له ولا ظهور. «وهو هو، ليس سواه»، فافهم ذلك جيدًا.

﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾: طريق الذين أنعمتَ عليهم بنعمة رعاية ظاهر الشريعة في جميع الأحوال، مع تشريف إرادة باطن الطريقة على وجه الكمال. أي إن فيضان المشاهدات الإلهية يصل إلى قلوبهم من سحائب العناية غير المتناهية على التواتر والتوالي، وهم مع هذا، امتثالًا لأوامر الله واجتنابًا لنواهيه، يرعون جميع أحكام الشريعة من الفرائض والواجبات والآداب على وجه الكمال، ولا يصيرون مغلوبي الحال ويُسمَّون الصُّحاة. وهذا هو كمال التمكين ورتبة وراثة النبوّة.

﴿غير المغضوب عليهم﴾: لا طريقَ الذين جعلهم دوامُ التجلّي الجلالي مجذوبين، وهو تجلٍّ مُزيلٌ للعقل لا محالة ومُغرِقٌ لوجودهم، فحرمهم من حظوظ التمكين وفوائده.

﴿ولا الضالين﴾: ولا طريقَ الضالّين، الذين أمسك غِنى الوقت بأذيالهم، فحبسهم عن طلب الترقّي. هيهات هيهات! منازل طريق الوصول لا تنقطع أبدَ الآبدين.

بيت:

لا لحُسنه نهاية، ولا لكلامي غاية؛
يموت المستسقي عطشانَ، ويبقى البحرُ كما هو.

شعر:

شربتُ الحبَّ كأسًا بعد كأسٍ
فما نفِدَ الشرابُ وما رَوِيتُ