لون الماء لون إنائه - سيدي محمد فنائي الكلشني

قال الشيخ محمد فنائي الكلشني، أحد مشايخ الطريقة الخلوتية الكلشنية، والمتوفى سنة 1112 هجرية، في شرحه على كتاب المعنوي لشيخ الطريقة الكلشنية، سيدي إبراهيم الكلشني: 

كلُّ ما تصنعه من ذلك الذي لا لون له، كأنه لون، يصير به لونُ انعدام اللون مثلَ اللون.

إنَّ الذات الأقدس التي لا لون لها، وإن وصفناها بأيِّ صفة من صفات التقديس، صارت تلك الصفة للذي لا لون له بمنزلة اللون، أي بمثابة قيد في اعتبار المعتبر. وبأيِّ عبارة من عبارات التجريد عبّرنا عنها، فإن تلك العبارة المطلقة تجعلها مقيَّدة، وتصير لها بمنزلة التشبيه؛ إذ كيف يستطيع الحادث أن يدرك القديم ويقدر على وصفه؟ فعُلم أن ذاته لا يعرفها إلا هو نفسه، ولا يراها إلا هو نفسه.

الناي يأتي بالنَّفَس من ذلك الذي لا لون له، ويأتي بالنَّفَس البسيط من ذلك المصاحب في النَّفَس.

المراد بالناي الإنسان الكامل، وبالنفس عبارة عن تعيّن الأسماء والصفات عن عين الذات. والناي يأتي بالصوت، أي بالنَّفَس الذي وصفناه، من الذي لا لون له أي من الذات الأحدية. ولذلك يأتي بالنَّفَس الواهب للحياة، البسيط الخالي من القيود، من صاحب النَّفَس؛ لأنه أفنى نَفَسه المجازي في نَفَس صاحب النَّفَس الحقيقي، فلم يبقَ إلا نَفَس صاحب النَّفَس، وهو ذلك النَّفَس الذي يأخذه ويعطيه.

يأتي الناي بالبيان من نَفَس الذي لا لون له، ويصير مترجمًا في نَفَسٍ غض جديد

إنَّ كلَّ ما يبيّنه الناي ويأتي به من المعارف الإلهية المستمدة من العلوم الذاتية، فإنما يأتي به من نَفَس الرحمن، أي ذات المطلق "الذي لا لون له" أي غير المقيد باعتبار من الاعتبارات. ويأتي به في وقت يصير فيه الناي بمنزلة المترجم عن ذلك النَّفَس الذي لا لون له.

الناي يبيّن لونَ انعدام اللون، إذ يفني النايُ نفسَه في ذلك النَّفَس.

يبيّن الناي لونَ كونه بلا لون، ولا كيف،لأنه نفخ صاحب النَّفَس الحقيقي الذي لا لون له. وإلا فإن بيانه لذلك اللون الذي لا لون له.

لأنني ناي، فإن أنيني وصراخي منه، إذ إن وجودي هذا من العدم بمقتضى مشيئته

لأنني متّصف بالصفات التي يتّصف بها الناي من الخلو عن نفسي والامتلاء بأنفاس الحبيب، فإن أنيني وصراخي من نَفَس صاحب النَّفَس الذي لا لون له؛ إذ إن وجودي هذا، وكونه قد صار موجودًا من العدم، واتخذ صورةً في الخارج، إنما هو من تعلّق إرادته العليّة.

من نَفَس العشق نفختُ نَفَسي في عزفي، إذ إن وجودي يصير عدمًا من دون نَفَسه.

إن نَفَس العشق الذي ظهر وبدا مني، أنا الذي لا نَفَس لي، إنما هو من النَّفَس الذي لا لون له؛ لأن وجودي يصير معدومًا من دون نَفَس العشق، فاعلم الآن أن العاشق حيٌّ بعشقه، وأن الذي لا عشق له ميت؛ لأن العشق هو خميرة عجين العالم بأسره، وموصل مطالب بني آدم.وذلك النَّفَس الذي يمنح الناي وجوده هو الذي يوصل العدم إلى عالم الوجود، ويكمّله بكمالات الوجود الحقيقي، ويأتي به إلى هذا العالم رحمةً لخلق العالم.