قال سيدي محمد بن سليمان المستغانمي:
اعلم أن الموت اضطراري واختياري واجتبائي. فالاضطراري هو الأمر العام لجميع الخلق، والاختياري هو الاكتسابي المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : "موتوا قبل أن تموتوا"، والاجتبائي هو الصعق الواقع لروح العبد عند مکاشفتها بالأسرار الإلهية. وتمام الفائدة أن العبد إذا علم أن وجوده ليس من نفسه، أو إنما هو عين ثابتة في العلم، والظاهر فيها هو فيض نور الوجود المطلق، أشغل فكرته بذلك ولازم صحبة أهل الفن الصادقين. فإذا أراد الله به الدخول لهذا المعنى جذب عين سرّه إلى شهود ذلك الفيض فاندك وجوده الموهوم وصار كما كان عينا ثابتة لا توصف بوجود ولا بعدم، وإنما هي معنى من معاني الجمال المطلق، وهنا عرف نفسه ماهي، فعرف ربه، وأنه المتجلي بتلك العين وفيها، وذلك التجلي هو عين وجودها بل عين وجوده الظاهر الباطن، وادعاه لنفسه وهماً، فلما انكشف الأمر على ساق عرف نفسه فعرف ربه فصار عدمًا في وجوده ذوقا.
وأما الحياة فهي صفة أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى، وجميع الدائرة الكونية أعيان وقوابل قابلة لظهورها فيها، وهي على درجات في استعدادها كالمرآة المقابلة لعين الشمس الواحدة، فالنور للشمس حقيقة ولغيرها من المرائي هو نور عرضي سببه القابلية والمقابلة، وسبب اختلاف ألوان ذلك النور هو اختلاف قوابل المرائي ومقابلتها، وهكذا تقول في مقابلة الصفات الموصوف بها العبد، ولذلك إذا تريض على أهل يد أهل الفن بنوافل الخيرات تزول عنه أوهام الاستقلال بالصفات بل يفنى عن شهود اتصافه بها ويراها ذوقاً وعياناً أنها الله حقيقة ولهذا الإشارة بالأثر القدسي: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به"، وفي رواية: "فبي يسمع وبي يبصر"، أي كشف له عن حقيقة الأمر فعرف نفسه لا صفة له من ذاته، وعرف ربه أنه الموصوف بالصفات وحده لا شريك له.
وحياته إنما تكون بفيض من دائرة صفة الرحمة التي محلّ إفاضتها واستفاضتها حضرة الحقيقة المحمدية، فالعبد إذا صادفته نفحة من الحق وأخلته إلى حريم الحضرة اندك وجوده، لأنّ الحادث لا يثبت مع القديم إذا وقعت المكافحة، وإنما يثبت له الوجود مع الحجاب، ثم هذا الفاني في حاله يقتضي البقاء هناك أبدًا مفقود العقل والوجود في شهود جمال محبوبه، لأنه إن رجع تنحط عليه التكاليف ويقع الحجاب، والشرع يقتضي منه الرجوع والرجوع هو الصحو، والصحو هو الحياة، والحياة تكون بنفخ رحموتي من باطن الحقيقة المحمدية. وتسمى هذه بـ "الحياة المعنوية" ، ومحلّ فيضها الأول الحقيقة المحمدية، ثم انتشرت منه في حقائق الأنبياء والمرسلين والمرشدين والناصحين والعلماء العاملين وأكابر العارفين الداعين إلى الله بالله، وكل حقيقة أخذت منها بحسب ما فيها من قوة القابلية، كما أن الحياة الحسية محل فيضها الحقيقة المحمدية، فإن الحقيقة المحمدية هي برزخية الإفاضة والاستفاضة في جميع الإمدادات المتوجهة من الجناب العالي الأزلي إلى الدائرة الكونية.