وصايا العارفين - سيدي الخضر الشجعي

قال الشيخ الخضر الشجعي، خليفة سيدي محمد الحراق، في رسائله:

فتيقظوا يا إخواننا أن مراد الحق من عبيده بتنقلهم من طور إلى طور أن يتعرف لهم في كل شيء. ومن أراد أن يؤيده الله عند ظهور الجلاليات فليكن معه على أدب الحضور عند تجلي الجماليات، اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة. فاخلعوا عذار الأوهام الكونية لتنالوا الحقائق الوهبية، بحول الله لا بحولكم ولا تجلسوا في مجلس أو تركبوا حالا لا يعود عليكم نفعه مع الله في الحال والمآل، وعليكم بمجالسة الفقراء المتواضعين والتجنب من مجالسة الأغنياء المتكبرين المتجبرين، قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}

فالأوقات سيوف صارمة طالبة لحقوقها، إن لم تقطعوها بالإقبال على الله قطعتكم بالإعراض عنه والجولان فيما سواه، والعارفون أوقاتهم كلها أعياد لفرحهم بما لا يزول، إذ انطوى ليل جلال غفلتهم وشمس نهار مشاهدتهم في انطوائهم في الذات، ومهما عظم التجلي إلا وازداد يقين العارفين لا يحزنهم الفزع الأكبر بخلاف غيرهم.

ولا تكلوا ولا تملوا من الأسباب التي جعلها الله أبواباً إلى حضرته، كالتواضع وعدم الادعاء ما ليس له والتجافي عن دار الغرور، فاجعلوا سرّ حالكم وعملكم دقيقاً وأنوار علمكم وعبارتكم ملحاً لتنتفعوا وإلا فلا.

ولا يخفى عنكم أن خصال الخير وإن تنوعت زبدتها وثمرها رفع الحجاب، فمن رفع عنه الحجاب فلا يبالي إن قل عمله، والشر وإن تنوعت مظاهره هو سدل الحجاب، فمن سدل عنه الحجاب فلا عبرة بعمله وإن كثر، ولكل المقامين علامات، فمن أعظم علامات المقام الأول التجافي عن دار الغرور ومحبة لقاء الله في كل وقت وحين وأن لا يساكن سوى الله أو يلاحظه والاتصاف بكل وصف يدله عليه ولو أداه ذلك إلى تعطيل حظوظه وحذف نفسه بحيث المشاق عنده حلوة المذاق، وعلامات المقام الثاني بعكس ما ذكر.

وإذا قصد غيركم قشور الأحوال والأعمال فاقصدوا أنتم لبّ الحضور ورفع الستور بينكم وبين الكبير المتعال، واخضعوا بجناح الذل والتواضع والإفتقار مع مخلوقات الله للسر المودع فيها لا لها لتنالوا بركة الجميع والسلام.